مديحة يسري: الشجاعة ترفض تقبيل يد الملك فاروق

في زمن كانت فيه العادات الملكية تفرض تقاليد صارمة على الحضور في القصور، برز موقف شجاع للفنانة المصرية مديحة يسري عندما رفضت تقبيل يد الملك فاروق في إحدى حفلات قصر عابدين، موقف يعكس كبرياءها واحترامها لذاتها كفنانة وامرأة مستقلة.

 

تعود القصة إلى صباح أحد الأيام حين تلقت مديحة يسري اتصالًا من الفنان سليمان بك نجيب، المدير آنذاك للأوبرا المصرية، يدعوها لحضور عرض لفريق باليه الأوبرا بحضور الملك. كانت هذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها مديحة قصر عابدين، فاستعدت جيدًا لهذه المناسبة، فاختارت فستانًا جديدًا يليق بالمقام، وتحركت مبكرًا لتصل في الوقت المحدد.

 

عند وصولها، وجدت الحفلة مكتظة بالفنانين والسياسيين وكبار الشخصيات الذين لم يسبق لها الالتقاء ببعضهم، وكانت التقاليد المعمول بها أن يقبل الجميع يد الملك أثناء التحية. وعندما جاء الدور على مديحة يسري، اكتفت بالسلام على الملك وقالت له: «أهلاً يا مولانا»، دون أن تقبل يده كما فعل البقية.

 

أثار تصرفها فضول الملك، الذي سأل سليمان بك نجيب عن اسمها ووظيفتها، فأُخبر أنه مديحة يسري، الممثلة. لم يكن موقف مديحة بدافع كبرياء فحسب، بل كان تعبيرًا عن احترامها لشخصيتها وكيانها كامرأة وفنانة، مؤكدة أنها ليست خادمة لأحد، حتى وإن كان الملك نفسه.

 

لاحقها سليمان بك نجيب خلال الحفل وسألها مستغربًا: «مديحة، إزاي تسلمي على جلالة الملك من غير ما تبوسي إيده؟» فردت بكل ثقة: «لو الدعوة كانت مكتوب فيها أني لازم أبوس يد الملك، لم أكن لأحضر». حاول سليمان إقناعها بأن هذا هو العرف وأن جميع الحضور قاموا بذلك، لكنها أكدت بوضوح: «أنا لا أقبل إلا يد أبي وأمي فقط».

 

وفي لحظة غير متوقعة، وجد الملك فاروق نفسه خلفها وسألها باسمها مباشرة، لترد بابتسامة خفيفة: «أنتِ مديحة؟»، مما دفعها لاحقًا إلى مغادرة القصر فورًا، رافضة تناول أي طعام، كنوع من الاحتجاج الصامت على هذه التقاليد.

 

في صباح اليوم التالي، قبل تصوير مشاهدها في فيلم رجل المستقبل، حكت مديحة للفنان أحمد سالم تفاصيل الموقف ورد فعلها على طلب سليمان بك نجيب، فأشاد بموقفها الجريء وحذرها من التورط في دعوات ملكية مستقبلية، قائلاً لها بحزم: «أي دعوة ملكية ما تروحيش، ويارب متكونيش عجبت الملك».

 

لقد جسد موقف مديحة يسري في قصر عابدين درسًا فنيًا وإنسانيًا في الحفاظ على الكرامة والهوية الشخصية، في زمن كانت فيه السلطة تتطلب الانصياع الكامل للعادات والتقاليد، لكنها اختارت أن تضع احترام نفسها وفنها فوق كل اعتبار، مثبتة أن الشجاعة والمبادئ لا تُقدَّران بثمن، حتى في أرفع القصور الملكية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى