
حققت المملكة العربية السعودية إنجازًا ماليًا لافتًا، بعد أن تبوأت المرتبة الثالثة عالميًا بين دول مجموعة العشرين من حيث انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، في خطوة اعتبرها خبراء الاقتصاد تحولًا نوعيًا يعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية العالمية، لا سيما في ظل أزمة ديون خانقة تضرب نحو 85% من الاقتصادات الكبرى حول العالم.
وهذا الإنجاز لم يأتِ بمعزل عن السياق العالمي المضطرب، بل جاء في وقت تعاني فيه دول صناعية عريقة من تضخم مستويات الدين العام وتزايد أعباء خدمة الديون على حساب الإنفاق التنموي.
وأظهرت البيانات الاقتصادية أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي في السعودية تقل عن 30%، وهو مستوى يُعد من بين الأدنى عالميًا مقارنة بعدد من الدول الكبرى التي تجاوزت فيها هذه النسبة الحدود الآمنة، ما جعل الاقتصاد السعودي محط أنظار المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين على حد سواء.
ويشير مختصون إلى أن هذا التفوق المالي يعادل توفير ما يقارب تريليون ريال سنويًا، يتم توجيهها إلى دعم التنمية والمشروعات الاستراتيجية بدلًا من استنزافها في سداد فوائد وأقساط ديون متراكمة.
ويرى خبراء الاقتصاد أن ما حققته السعودية يمثل حالة استثنائية في ظل العواصف الاقتصادية العالمية المتلاحقة، إذ تمكنت من الحفاظ على توازن دقيق بين تمويل خطط التنمية الطموحة وضبط مستويات الاقتراض.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد العقيلي، خبير الاقتصاد الدولي، أن المملكة تكتب نموذجًا جديدًا في الإدارة المالية الرشيدة، مستندة إلى تخطيط طويل المدى وقرارات جريئة، في وقت اضطرت فيه دول كبرى إلى توجيه جزء كبير من ميزانياتها السنوية لخدمة ديون خانقة.
ويعود جزء كبير من هذا النجاح إلى رؤية السعودية 2030، التي أحدثت تحولًا جذريًا في بنية الاقتصاد الوطني، عبر تقليل الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل، وتوسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية، وتعزيز كفاءة الإنفاق الحكومي.
وتشير الأرقام إلى أن نسبة الدين كانت لا تتجاوز 1.6% من الناتج المحلي في عام 2014، قبل أن ترتفع إلى نحو 35% خلال جائحة كورونا في 2020، ثم تعود للانخفاض مجددًا إلى أقل من 30% حاليًا، في تعافٍ سريع يعكس متانة السياسات المالية.
هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين والقطاع الخاص، من خلال استقرار الأسعار، وانخفاض تكلفة الاقتراض، وتحفيز الاستثمارات في القطاعات الحيوية، مثل السياحة، والصناعة، والتقنية، والطاقة المتجددة. كما أسهم الاستقرار المالي في تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب، حيث شهدت السوق السعودية تدفقات استثمارية متزايدة، وارتفاعًا في العوائد مقارنة بأسواق أخرى تعرضت لهزات حادة.
وعلى الصعيد العالمي، باتت السعودية اليوم نموذجًا يُحتذى في إدارة الدين العام، وواحة استقرار وسط مشهد دولي مثقل بالديون. وتؤكد التوقعات أن المملكة ماضية في تعزيز موقعها القيادي إقليميًا ودوليًا، مع استمرار تحسين التصنيف الائتماني، وتنويع مصادر الدخل، وتحفيز السيولة، بما يعزز مناعة الاقتصاد في مواجهة الأزمات المستقبلية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز السؤال في الأوساط الاقتصادية العالمية: هل تصبح السعودية النموذج الأبرز للإدارة المالية الرشيدة في القرن الحادي والعشرين؟ المؤشرات الحالية توحي بأن التجربة السعودية باتت بالفعل علامة فارقة في عالم الاقتصاد.






