
وُلد محمود المليجي يوم، 22 ديسمبر 1910، ليصبح لاحقًا واحدًا من أعمدة التمثيل في تاريخ السينما المصرية، وممثلًا لا يختلف اثنان على عبقريته وتفرّده. كان مدرسة قائمة بذاتها، يتعامل مع الدور — أيًّا كانت مساحته أو ميزانية الفيلم — بمنتهى الجدية والصدق، وكأن كل مشهد هو امتحانه الأخير أمام الفن. لكن أكثر ما يثير الدهشة في سيرة المليجي، ليس أداؤه الاستثنائي، بل الطريقة الغريبة والهادئة التي غادر بها الحياة.
في عام 1983، وبعد أن حقق عمر الشريف نجاحات عالمية كبرى، عاد إلى مصر ليشارك في الفيلم التلفزيوني «أيوب»، المأخوذ عن قصة لنجيب محفوظ من مجموعته «الشيطان يعظ». كتب السيناريو محسن زايد بحرفية عالية، وقدّم المخرج هاني لاشين رؤية إنسانية مكثفة لقصة رجل أصيب بالشلل بعد أن كوّن ثروة ضخمة، ثم قرر أن يكتب مذكراته، كاشفًا أسرار طريقه إلى المال، وهو ما يجعله هدفًا لمن تضرهم الحقيقة.
ضمن فريق العمل كان محمود المليجي، وقد تجاوز الثالثة والسبعين من عمره، لكنه كان حاضر الذهن، متوقد الروح، كأن الزمن لم يمر به. في أحد أيام التصوير، وبينما كان الفريق يستعد للمشهد التالي، جلس المليجي إلى طاولة تجمعه بعمر الشريف، والمخرج هاني لاشين، والمنتج ممدوح الليثي. كانوا يشربون القهوة ويدردشون في أجواء هادئة.
فجأة، وضع محمود المليجي فنجان القهوة من يده، وقال بنبرة المتأمل العميق:
«يا أخي، الحياة دي غريبة جدًا… الواحد فيها ينام ويصحى، وينام ويشخر».
ثم مال برأسه على الطاولة، وأطلق صوت شخير حقيقي، وكأنه انتقل إلى النوم في لحظة.
انفجر الجالسون بالضحك، فقد كان المليجي معروفًا بقدرته المدهشة على التقمص السريع، وبإجادته خلق الحالة في ثانية واحدة. ظن الجميع أن ما فعله مجرد دعابة أو استعراض عابر لموهبته، خاصة أنه كان قادرًا على تكرار الأداء بنفس القوة مهما أُعيد المشهد.
لكن الضحكة انتهت، والمليجي لم يتحرك.
ساد الصمت فجأة، وتحول الضحك إلى قلق. اقترب عمر الشريف منه، وربت على يده قائلًا مازحًا:
«إيه يا محمود؟ خلاص… هتنام بجد ولا إيه؟»
لم تأتِ إجابة.
عندما أمسك بيده، شعر ببرودة غير طبيعية. في ثوانٍ معدودة، اتضح أن محمود المليجي قد فارق الحياة بهدوء تام، دون ألم، ودون صراع، وكأنه أنهى آخر مشهد في حياته بنفس السلاسة التي اعتاد بها إنهاء مشاهده أمام الكاميرا. كان الموت سريعًا، صامتًا، أشبه بغمضة عين.
وصل المنتج ممدوح الليثي إلى المكان، وتكفل بالأمر. حمل جسد المليجي في سيارته، واتصل بزوجته الفنانة علوية جميل، قائلًا إن «محمود بيه تعب شوية» وهو في الطريق إليها. لم يجرؤ أحد على نطق الحقيقة في تلك اللحظة.
عند وصوله إلى العمارة، تعطل المصعد، فاضطر الليثي إلى حمل المليجي بنفسه وصعود السلالم حتى الشقة، ووضعه على السرير. وبعد وصول الطبيب، كانت الكلمات القاطعة: «الأستاذ متوفى منذ فترة». عندها فقط انفجرت الأحزان في بيت محمود المليجي، في يوم 6 يونيو 1983.
أما علاقة المليجي بزوجته علوية جميل، فهي قصة حب تستحق أن تُكتب في مجلدات. بدأت الحكاية عام 1939، حين كانت والدة المليجي مريضة، فأقرضته علوية عشرين جنيهًا، وهو مبلغ لم يكن بسيطًا آنذاك. ظل ممتنًا لهذا الموقف طوال حياته. وبعد أن تجاوز أزمته، اتصل بها هاتفيًا وطلب الزواج، فضحكت وقالت: «الكلام ده ماينفعش في التليفون يا محمود». لم يتردد، وذهب إلى بيتها وتقدم رسميًا، فوافقت.
كان يقول عنها دائمًا: «كانت، وستظل، أغلى إنسان في قلبي بعد أولادي»، رغم أنه لم يُرزق بأبناء منها، إذ كانت علوية جميل قد أنجبت من زواج سابق. لكن ذلك لم ينقص من عمق العلاقة بينهما شيئًا.
هكذا رحل محمود المليجي… كما عاش: هادئًا، صادقًا، ومخلصًا حتى اللحظة الأخيرة. مات وهو يؤدي دور «النائم»، فصدّق الجميع المشهد، قبل أن يدركوا أن العبقري أسدل الستار بنفسه، دون ضجيج.






