
لم يكونوا مجرد ممثلين صاعدين، بل بدوا منذ اللحظة الأولى كأنهم «كاريكاتير متحرك ناطق»، يعتمد على الجسد قبل الكلمة، وعلى الإيقاع قبل النكتة. هكذا تشكّلت ملامح فرقة «ثلاثي أضواء المسرح»، التي أصبحت لاحقًا واحدة من أهم علامات الكوميديا في تاريخ الفن المصري.
في الحلقة الأولى من برنامج «أضواء المسرح»، اختار لهم المخرج محمد سالم أسماء طريفة هي «كوكو» و«كيكي» و«كيكا»، لكنها لم تصمد طويلًا أمام الاسم الذي التصق بهم وخلّدهم: «ثلاثي أضواء المسرح». غير أن التكوين الأول للفرقة لم يستمر سوى حلقة واحدة، إذ سافر أحد أعضائها، عادل نصيف، إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراسته والحصول على الدكتوراه، ليبدأ التحول الحقيقي في مسيرة الثلاثي.
كان الأعضاء الثلاثة الأوائل ينتمون إلى كلية الزراعة: عادل نصيف، وجورج سيدهم، وسمير غانم. نصيف وسيدهم كانا من الخريجين، بينما كان سمير غانم لا يزال في سنته النهائية. ورغم دراستهم الأكاديمية البعيدة عن الفن، جمعتهم هواية التمثيل منذ سنوات الدراسة، حيث كانوا يشاركون في حفلات الكلية والأنشطة الطلابية، ويقدمون فواصل كوميدية لاقت إعجاب زملائهم.
تكوّنت رؤيتهم الفنية من شغفهم الشديد بمدرسة نجيب الريحاني، ومن متابعتهم الدقيقة لنجوم الكوميديا العالمية مثل شارلي شابلن، والإخوة ماركس، ونورمان ويزدوم، وجيري لويس. ومن هذا المزيج خرجوا بفكرة أساسية: الكوميديا السريعة الخاطفة، غير المرتبطة بشخصية واحدة ثابتة، ما يتيح لهم التنقل بين الأدوار بحرية كاملة.
بدأ التعارف الحقيقي بينهم خلال احتفالات «أعياد الشباب» عام 1958، ثم تكرر اللقاء في «دورات الزراعيين»، وهي مهرجانات كانت تجمع النشاط الرياضي والثقافي والفني لطلبة الكليات. هناك اتفقوا على العمل معًا خلال الإجازات الصيفية في ملاهي الإسكندرية، ثم في إذاعتها المحلية. ومع انطلاق التلفزيون المصري، انتقلوا إلى القاهرة بحثًا عن فرصة أوسع، وظهروا لأول مرة في برنامج «مع الناس».
في هذا البرنامج التقى الثلاثي بالمخرج محمد سالم، الذي آمن بموهبتهم، واتفق معهم على تقديم فواصل كوميدية ضمن برنامج «أضواء المسرح». وبعد سفر عادل نصيف، وجد جورج سيدهم وسمير غانم نفسيهما أمام تحدٍ صعب: من يعوّض هذا الغياب؟ وهنا تذكرا زميلًا قديمًا من كلية الآداب، تعرّفا عليه في «أعياد الشباب»، هو الضيف أحمد.
الصدفة لعبت دورها مرة أخرى، حين قرر جورج سيدهم الاستقالة من عمله كمهندس زراعي في الإسكندرية والالتحاق بمسرح التلفزيون في القاهرة، ليصادف هناك الضيف أحمد، فتحل الأزمة، ويكتمل التكوين الأشهر للفرقة.
لم يكن الضيف أحمد غريبًا عن هذا العالم؛ فقد سلك طريقًا مشابهًا، بدأه من حفلات الكلية، مرورًا بأعياد الشباب، ثم العمل مع فرقة «ساعة لقلبك»، والمشاركة في مسرحيات وبرامج تلفزيونية، إلى جانب نشاطه في إخراج عروض مسرحية بكلية الآداب.
ورغم النجاح الجماهيري المتزايد، عانى الثلاثي كثيرًا في البدايات. كانوا يتلقون مكالمات مفاجئة من محمد سالم للحضور فورًا من الإسكندرية إلى القاهرة، فيتركون أعمالهم ودراستهم ويسافرون على عجل. وكان الجهد المبذول في تسجيل الفواصل، التي تحتاج إلى بروفات متكررة، يفوق بكثير الأجر الذي يحصلون عليه، والذي لم يكن يكفي حتى نفقات المواصلات.
ومع ذلك، أصرّوا على الاستمرار، وعلى تقديم فواصل من تأليفهم هم، لأن فنهم كان قائمًا على الحركة والتعبير الجسدي، لا على النصوص المكتوبة، وهو ما جعل «ثلاثي أضواء المسرح» حالة فنية فريدة، لا تُكتب فقط، بل تُجسَّد وتُعاش.






