
مع اقتراب كوريا الشمالية من الانتهاء من بناء أول غواصة نووية كبيرة في تاريخها، تتزايد المخاوف الدولية من دخول بيونغ يانغ مرحلة جديدة من تعزيز قدراتها النووية، عبر إضافة الذراع البحرية إلى منظومة الردع الاستراتيجي. وتُعد هذه الخطوة تطورًا بالغ الأهمية في العقيدة العسكرية الكورية الشمالية، لما تحمله من دلالات على انتقال الردع النووي من البر إلى البحر.
الغواصة الجديدة، التي ظهرت صورها مؤخرًا عبر وسائل الإعلام الرسمية في بيونغ يانغ، تعكس قفزة نوعية في قدرات الجيش الشعبي الكوري، وتؤكد سعيه لتأمين قدرة توجيه ضربات نووية بعيدة المدى حتى في أسوأ السيناريوهات العسكرية.
مواصفات الغواصة النووية الجديدة
كشفت الصور المنشورة أن الغواصة قيد الإنشاء تبلغ إزاحتها نحو 8700 طن، ما يجعلها أول غواصة كورية شمالية تعمل بالطاقة النووية بهذا الحجم. ووفق تقارير عسكرية كورية جنوبية، فإن أعمال البناء بدأت بالفعل منذ العام الماضي، بعد سنوات من التخطيط والتصريحات غير المباشرة حول المشروع.
ووفقًا لموقع «ميليتري ووتش» الأمريكي، فإن الغواصة الجديدة أصغر من غواصات الصواريخ الباليستية الصينية من طراز 094، وأقل حجمًا من غواصات «أوهايو» الأمريكية، لكنها تظل إنجازًا كبيرًا بالنظر إلى الإمكانات الصناعية والتكنولوجية لكوريا الشمالية.
تصميم متطور وقدرات هجومية متعددة
تُظهر الصور برجًا مدمجًا مع هيكل مرتفع يشبه ظهر السلحفاة، ويضم أنابيب إطلاق صواريخ متعددة، إلى جانب مجموعة سونار جانبية وستة أنابيب طوربيد. ويشير هذا التصميم إلى أن الغواصة قد تكون قادرة على حمل صواريخ باليستية أو صواريخ كروز بعيدة المدى، ما يمنحها مرونة هجومية كبيرة.
ويرى خبراء عسكريون أن هذه الغواصة تمثل نقلة من القدرات الساحلية المحدودة إلى عمليات بحرية استراتيجية بعيدة المدى.
تاريخ طويل في تطوير أسطول الغواصات
تمتلك كوريا الشمالية منذ عقود أحد أكبر أساطيل الغواصات في العالم من حيث العدد، وحققت خلال السنوات العشر الماضية تطورًا لافتًا في هذا المجال، شمل نشر أول غواصة صواريخ باليستية عام 2017، ثم أول غواصة صواريخ كروز عام 2023، إضافة إلى اختبار غواصة نووية مسيّرة دون طيار في العام نفسه.
وكان يُنظر إلى هذه الخطوات المتتالية باعتبارها تمهيدًا منطقيًا للوصول إلى غواصة تعمل بالطاقة النووية، توفر ما يُعرف بـ«الضربة الثانية» في العقيدة النووية.
أهمية الغواصات النووية في الردع الاستراتيجي
تتمتع الغواصات النووية بقدرة تحمل غير محدودة تقريبًا مقارنة بالغواصات التقليدية، إذ يمكنها البقاء مغمورة تحت الماء لأشهر طويلة دون الحاجة إلى الظهور، ما يجعل رصدها أو استهدافها مهمة بالغة الصعوبة.
وتتيح هذه القدرة لكوريا الشمالية توجيه ضربات نووية انتقامية حتى في حال تعرض منشآتها الأرضية لهجوم شامل، وهو ما يعزز من فعالية الردع ويزيد من تعقيد الحسابات العسكرية للولايات المتحدة وحلفائها.
اختراق الدفاعات الصاروخية المحتمل
يتيح إطلاق الصواريخ الباليستية من البحر توجيه ضربات من مسارات غير متوقعة، حيث تقل كثافة أنظمة الدفاع الصاروخي. وتشير تقديرات إلى احتمال تزويد الغواصة الجديدة بصواريخ مزودة بمركبات انزلاق فرط صوتية، وهو ما قد يعزز قدرتها على اختراق الدفاعات الجوية المتطورة.
ومنذ عام 2021، أجرت كوريا الشمالية تجارب متقدمة على هذا النوع من التكنولوجيا، ما يثير قلقًا متزايدًا في واشنطن وطوكيو وسيول.
خلفية تاريخية تعزز هواجس بيونغ يانغ
تحمل كوريا الشمالية ذاكرة تاريخية ثقيلة تعود إلى الحرب الكورية، التي أودت بحياة ما بين 20 و30% من سكانها نتيجة القصف الأمريكي المكثف. ولا تزال بقايا الذخائر من تلك الحرب حاضرة حتى اليوم، ما يعزز الشعور بالتهديد الدائم لدى القيادة الكورية.
وقد فكرت إدارات أمريكية متعاقبة، من ترومان إلى ترامب، بجدية في توجيه ضربات عسكرية أو نووية ضد كوريا الشمالية، وهو ما تعتبره بيونغ يانغ مبررًا لتطوير قدراتها الردعية إلى أقصى حد.






