
مع اقتراب حلول شهر رمضان المبارك، تتزايد تساؤلات المسلمين حول الأحكام الشرعية المنظمة للصيام، لا سيما ما يتعلق بحكم الإفطار أثناء السفر، والمسافة التي يُسمح عندها للمسافر بالفطر دون إثم شرعي. وتبرز هذه التساؤلات في ظل كثرة التنقلات اليومية المرتبطة بطبيعة العمل، أو الظروف الأسرية، أو السفر بين المحافظات، ما يجعل معرفة الضوابط الشرعية الدقيقة أمرًا بالغ الأهمية لكل صائم.
الإفتاء تحسم الجدل بشأن الإفطار في السفر
وحسمت دار الإفتاء المصرية الجدل الدائر حول هذه المسألة، مؤكدة أن الشريعة الإسلامية راعت أحوال المسافرين، وشرعت لهم رخصة الإفطار في نهار رمضان، إذا تحققت شروط السفر المعتبرة شرعًا، وذلك في إطار التيسير ورفع المشقة عن المكلفين.
المسافة الشرعية التي تُبيح الفطر
وأوضحت دار الإفتاء، في فتوى منشورة عبر موقعها الرسمي، أن المسافة التي تُبيح للمسافر الإفطار هي نفس المسافة التي تُقصر فيها الصلاة، مشيرة إلى أن هذه المسافة لا تقل عن مرحلتين، وتُقدَّر بنحو 83.5 كيلومترًا تقريبًا. فإذا بلغ المسافر هذه المسافة أو تجاوزها، جاز له الفطر دون حرج، مع وجوب قضاء الأيام التي أفطرها بعد انتهاء شهر رمضان.
الدليل من القرآن الكريم
واستندت الإفتاء في بيانها إلى نصوص صريحة من القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
وتؤكد هذه الآية أن الرخصة في الفطر جاءت تحقيقًا لليسر، ورفعًا للمشقة التي قد تلحق بالصائم في حال المرض أو السفر.
السنة النبوية تؤكد التيسير
كما دعّمت دار الإفتاء فتواها بما ورد في السنة النبوية الشريفة، حيث ثبت عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال:
«إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ»،
وهو حديث صحيح يؤكد أن الفطر في السفر رخصة مشروعة، وليس تقصيرًا أو مخالفة لأحكام الصيام.
هل الصيام أفضل للمسافر؟
وأشارت الإفتاء إلى أن الفطر رخصة، والصيام جائز، بل قد يكون الصيام أفضل في بعض الحالات، إذا لم يترتب عليه مشقة أو ضرر، مستشهدة بقول النبي ﷺ:
«مَنْ أَفْطَرَ فَرُخْصَةٌ، وَمَنْ صَامَ فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ».
وبذلك تُرك الخيار للمسافر وفق حالته الصحية وقدرته البدنية.
الأعذار الشرعية المبيحة للفطر في رمضان
وكشفت دار الإفتاء عن ثلاثة أعذار رئيسية تُبيح الفطر في رمضان مع وجوب القضاء لاحقًا، وهي: المرض الذي يشق معه الصيام أو يسبب ضررًا، والسفر لمسافة معتبرة شرعًا، إضافة إلى الحمل والرضاعة إذا خافت المرأة على نفسها أو على الجنين أو الرضيع.
حكم المرض المزمن وكبار السن
وبيّنت الإفتاء أن المريض مرضًا مؤقتًا يُرجى شفاؤه، يجب عليه قضاء الأيام التي أفطرها بعد التعافي، أما إذا كان المرض مزمنًا لا يُرجى برؤه، أو كان الشخص كبيرًا في السن عاجزًا عن الصيام عجزًا دائمًا، فحينها يُطعم عن كل يوم مسكينًا دون قضاء.
الحمل والرضاعة بين القضاء والفدية
وفيما يتعلق بالحامل والمرضع، أوضحت الإفتاء أن الحكم يختلف باختلاف سبب الفطر؛ فإذا كان الخوف على الأم فقط، وجب القضاء دون فدية، أما إذا كان الخوف على الجنين أو الرضيع، فيلزم القضاء مع إطعام مسكين عن كل يوم، وهو ما ورد عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم.





