زينات صدقي.. من حواري بحري إلى خشبة الريحاني

في حيّ بحري بمدينة الإسكندرية، حيث تختلط رائحة البحر بخشب القوارب، بدأت الحكاية. هناك أحبّ محمد سعد، الذي ورث صناعة القوارب عن أبيه، فتاة طيبة تُدعى حفيظة، ورثت بدورها عن أهلها الشهامة والأصالة وميلًا فطريًا لفعل الخير. كان زواجًا بسيطًا، لكنه مشبع بالمودة، سرعان ما أثمر ثلاث بنات ملأن البيت ضحكًا وحركة.

 

وحين حملت حفيظة للمرة الرابعة، أخذت تُمنّي نفسها بولد. كانت تردد كل يوم: “عندما يأتي الولد سأفعل كذا وكذا”، بينما كان زوجها يبتسم قائلًا إنه يشعر بأنها بنت. أقسمت الأم أن حدسها لا يخطئ، غير أن الأقدار كان لها رأي آخر.

 

لم تكن لحفيظة اهتمامات كثيرة خارج بيتها، فكانت تسليتها الكبرى السهر عند جارتها، حيث يدور الحديث عن الطعام والأبناء وأخبار الحي، تتخلله أنغام العود التي تعزفها الجارة بمهارة. ذات مساء، تسلّل إلى قلبها شيء من الغيرة؛ تمنت لو تعزف مثلها، فطلبت من زوجها عودًا. لم تكن كثيرة الطلب، فوعدها وأوفى، وبحث حتى اشترى لها عودًا جميلًا.

 

استدعت جارتها لتفاجئها، وتعلّمت أول درس في العزف، لكن الدرس كان الأخير. ففي صباح الرابع من مايو عام 1912 باغتتها آلام الوضع، وبعد ساعات وضعت مولودتها الجديدة. كانت بنتًا، على عكس كل التوقعات. اتفق الأبوان على تسميتها “زينب”، وأقام لها الأب ليلة احتفال كبيرة دعا إليها القريب والبعيد، حتى صارت حديث بحري أيامًا.

 

كبرت زينب، وصارت الأقرب إلى قلب أبيها. كانت جريئة، حتى طلبت مرافقته إلى القهوة. هناك شدّها صوت شاعر الربابة، فصارت تزوره كل خميس، تحفظ ما يلقيه وتردده. تجرأت وطلبت أن يسمعها. دهش الشاعر من قدرتها على حفظ الألحان وتشخيصها، وقال لأبيها إنها موهبة من السماء ينبغي الحفاظ عليها.

 

لكن جرأتها في الصعود إلى المنصة أثارت غضب عمّها، الذي صفعها أمام الحاضرين واعتبر ظهورها عارًا. أُغلِق الباب، وأُرسلت إلى الكُتّاب. شعرت وكأن حكمًا بالإعدام صدر بحق حلمها. غير أنها استسلمت ظاهرًا، وحفظت من القرآن ما أهّلها لدخول المدرسة، حيث تألقت في الأناشيد والخطابة والمسابقات.

 

غير أن شغفها بالغناء والتمثيل لم يخمد. فجاء قرار العائلة بزواجها من قريب يكبرها سنًا، “سترةً” لها. دخلت بيت الزوجية، لتجد قائمة ممنوعات: لا خروج، لا صداقة مع خيرية صدقي، ولا اقتراب من الفن. حتى الفونوغراف حُرّم عليها حين لاحظ زوجها تعلقها به. تضاعفت الخلافات، وتدخلت الحماة، وتحول البيت إلى ساحة صراع.

 

حين مرض والدها وطلبت زيارته، خيّرها زوجها بين الطاعة والرحيل. اختارت أباها. وبعد وفاته طلبت الطلاق، متحدّية تقاليد العائلة. عادت إلى بيت أمها، ثم طالبت بحقها في الميراث فقوبلت بالإنكار. ضاقت السبل، حتى عرضت عليها خيرية أن تشاركها الغناء في الأفراح. وبعد تردد طويل، وافقت الأم، مشترطة أن تُشوّه ابنتها وجهها بالألوان حتى لا يطمع فيها أحد، وأن تتخفّى باسم جديد: “زينب صدقي”.

 

فرحًا بعد فرح، ذاع صيتها، حتى اضطرت للهرب إلى القاهرة تحسبًا لغضب العائلة. هناك قصدت كازينو بديعة مصابني، التي اقترحت عليها الرقص ثم المونولوج، لكنها كانت مصممة على الغناء والتمثيل. فأرسلتها إلى نجيب الريحاني. أعجب بها وضمّها إلى فرقته، لكن الاسم كان مكررًا، فاختار لها اسمًا جديدًا: “زينات صدقي”.

 

من مسرح الريحاني انطلقت نجمة الكوميديا. صارت وجهًا مألوفًا على الخشبة، خفيفة الظل، صادقة الأداء، قريبة من الناس كما هي في حياتها. وصفها الكاتب صالح جودت بأنها إنسانة عظيمة قبل أن تكون ممثلة عظيمة؛ متواضعة، كريمة، تحترق كشمعة في سبيل أهلها.

 

هكذا خرجت زينات صدقي من ظلال بحري، ومن قيود البيت والعائلة، لتصنع مجدها بموهبة وإرادة لا تنكسر. كانت الحكاية أطول من مجرد صعود فنانة؛ كانت رحلة امرأة انتصرت لصوتها في زمنٍ كان يحاول إسكاتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى