أوتو سكورزيني.. الرجل الذي اقتحم الجبال لإنقاذ موسوليني وأشعل أسطورة العمليات الخاصة

في عام 1943، كانت إيطاليا تعيش واحدة من أكثر لحظاتها اضطرابًا خلال الحرب العالمية الثانية، بعدما سقط الزعيم الإيطالي بينيتو موسوليني واعتُقل في مكان سري وسط جبال الأبينيني الوعرة، في محاولة لحمايته من الحلفاء ومنع انهيار كامل للمعسكر الفاشي.

وصل الخبر إلى أدولف هتلر كالصاعقة، فاعتبره خيانة لا تُغتفر، وكلف أحد أخطر رجاله، الضابط النمساوي أوتو سكورزيني، بمهمة شبه مستحيلة: العثور على موسوليني وإنقاذه وإعادته حيًا بأي ثمن.

بدأت عملية بحث استخباراتي معقدة قادها سكورزيني وفريقه، حتى نجحوا في تحديد مكان احتجاز موسوليني داخل فندق “كامبو إمبيراتوري” على قمة جبل “غران ساسو”، وهو موقع حصين لا يمكن الوصول إليه إلا عبر تلفريك مراقَب بشدة من القوات الإيطالية.

أمام هذا التحدي الجبلي الصعب، لم يختَر سكورزيني الطرق التقليدية. بل وضع خطة جريئة وغير مسبوقة في تاريخ العمليات العسكرية: تنفيذ أول إنزال جوي بطائرات شراعية في منطقة جبلية عالية الارتفاع. كانت الفكرة في حد ذاتها مخاطرة قاتلة، لكنها كانت الخيار الوحيد.

في لحظة التنفيذ، هبطت الطائرات الشراعية بصمت فوق المنحدرات الصخرية الضيقة، في مشهد مباغت أربك الحراس تمامًا. وخلال ثوانٍ، اقتحم المهاجمون الفندق دون إطلاق رصاصة واحدة، وسط حالة من الذهول والارتباك. انتهت العملية بسرعة مذهلة، وتم أسر موسوليني دون مقاومة تذكر، قبل نقله بطائرة خفيفة بالكاد استوعبت وزن الركاب في تلك اللحظة الحرجة.

تحولت هذه العملية إلى أسطورة عسكرية، وبدأ اسم سكورزيني يتردد في أوروبا بوصفه أحد أكثر ضباط العمليات الخاصة جرأة وخطورة. حتى الإعلام البريطاني أطلق عليه لاحقًا لقب “أخطر رجل في أوروبا”، بسبب قدرته على تنفيذ مهام تبدو مستحيلة.

ولم تتوقف سمعته عند هذا الحد، إذ شارك لاحقًا في عمليات خداع عسكري خلال معركة الثغرة، عبر التسلل بزيّ قوات الحلفاء ونشر الفوضى خلف خطوطهم، ما تسبب في ارتباك واسع داخل القيادة الأمريكية، ودفع الجنرال دوايت أيزنهاور إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة.

بعد انتهاء الحرب، لم تختفِ أسطورة سكورزيني، بل ازدادت تعقيدًا. فقد فرّ من الاعتقال، وتنقل بين دول عدة، قبل أن يصبح لاحقًا شخصية مثيرة للجدل في عالم الاستخبارات خلال حقبة الحرب الباردة، حيث ارتبط اسمه بعمليات سرية وشبكات تجسس دولية، حتى أن بعض الروايات تشير إلى تجنيده أو استغلاله من قبل أجهزة استخبارات متعارضة المصالح.

ظل سكورزيني يعيش في منطقة رمادية بين الأسطورة والحقيقة، إلى أن توفي عام 1975، تاركًا خلفه إرثًا مليئًا بالأسئلة: هل كان مجرد جندي ينفذ الأوامر، أم لاعبًا حرًا في لعبة استخبارات عالمية لا تعترف بالولاءات؟

وهكذا انتهت قصة الرجل الذي حوّل المستحيل إلى واقع، وبقي اسمه مرتبطًا بأكثر العمليات جرأة في تاريخ الحرب الحديثة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى