
في زقاق قديم، وعلى كرسي خشبي عتيق أمام بابه المهترئ، جلست “أم حسن”. كانت تتابع عبر شاشة صغيرة أخبار إقرار البرلمان النهائي لقانون الإيجار القديم. لم تتغير ملامحها كثيرًا عن الأمس، لكن صوتها جاء خافتًا هذه المرة: “دلوقتي حتى السقف نفسه ما بقاش مضمون”. كانت قد قالت بالأمس القريب: “إحنا مش بنفكر في بكرة، إحنا يدوب عايشين اليوم بيومه. وطول ما السقف فوقينا بنحمد ربنا”. هذه الكلمات تعكس عمق القلق الذي يسكن نفوس الكثيرين.
العد التنازلي: نهاية حقبة وبداية أخرى
قبل ساعات قليلة، صوت البرلمان بأغلبية ساحقة على القانون المنتظر منذ عقود. بهذا التصويت، انتهت مرحلة طويلة من التأجيل والجدل. بدأت مرحلة جديدة عنوانها “العد التنازلي”. هذا القانون يمثل تحولًا جذريًا في العلاقة الإيجارية.
وفقًا لبنود القانون، سيبدأ إخلاء الوحدات السكنية بعد سبع سنوات من الآن. أما الوحدات التجارية والإدارية، فستُخلى بعد خمس سنوات. بعد هذه المدد، تنتهي العلاقة الإيجارية بشكل نهائي. ستُرفع القيم الإيجارية تدريجيًا. هذه الخطوات تعيد صياغة علاقة سكنية وُلدت في زمن مختلف تمامًا.
أسئلة مُعلّقة وجلسة برلمانية مُلتبسة
مع استسلام أم حسن للأمر الواقع، علت أصوات أخرى. تساءلت هذه الأصوات: ما الذي يدفع إلى إقرار قانون بهذه الحساسية فجأة؟ ولماذا الآن بالتحديد؟ كيف يمكن للبرلمان أن يصدق على قانون وصف رئيسه أمس فقط بيانات الحكومة بشأنه بأنها “غير سليمة”؟ هذه التساؤلات تعكس حالة من عدم اليقين.
جلسة البرلمان التي عُقدت يوم الثلاثاء امتدت لساعات طويلة. لم تنته الجلسة إلى حسم، بل إلى تأجيل لليوم التالي. كان السبب المعلن هو أن الحكومة لم تقدم بيانات محدثة منذ عام 2017. قيل إن أرقامها لا تعكس الواقع السكاني ولا الاقتصادي ولا حتى العقاري.
تصريحات رئيس البرلمان كانت واضحة وصريحة. وجه انتقادات مباشرة للحكومة. قال إنها غير مستعدة لمناقشة التعديلات المقترحة. هذا بسبب نقص البيانات. وأشار إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تُحال فيها مشاريع قوانين إلى المجلس. يحدث هذا دون دراسة دقيقة أو حوار مجتمعي حقيقي.
لكن، في صباح اليوم التالي، عادت الجلسة. أقرت التعديلات. حدث هذا بينما لم تُستكمل مناقشة الملاحظات. ولم تُحدّث البيانات بالطبع. انسحب عدد من النواب المعارضين والمستقلين. كان هذا احتجاجًا على تمرير القانون دون معالجة جوهرية لملاحظاتهم. في المقابل، مضت الأغلبية قدمًا نحو التصديق.
هل تغيرت البيانات بين الأمس واليوم؟ أم أن هناك ما هو أكبر من البيانات يحرك عجلة التشريع؟ في السطور التالية، نستعرض مواقف جميع الأطراف. هذه الأطراف هي: الحكومة، الملاك، والمستأجرون. لا نسعى لإبداء أحكام أو ترجيح طرف على آخر. بل هي محاولة لفهم الصورة الكاملة للقانون. هذا يشمل ما فيه من وعود، ومخاوف، وتساؤلات معلقة.
الحكومة والمؤيدون: رؤية إصلاحية للسوق العقارية
الحكومة تسابق الزمن لإعادة هيكلة السوق العقارية. تسعى لتحرير أصول مجمدة لم تعد تنتج قيمة. هذا يحدث وسط برنامج إصلاح اقتصادي مكثف. هناك دعوات متزايدة لرفع كفاءة استخدام الأراضي والمباني في قلب المدن.
يرى المؤيدون للقانون، سواء من المسؤولين أو البرلمانيين، أن قانون الإيجار القديم لم يعد مجرد ملف اجتماعي مؤجل. بل أصبح عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا. هو عائق أمام تحفيز الاستثمار في القطاع العقاري. يعرقل تحديث العمران. ويمنع ضبط سوق الإيجارات المفتوحة. هذا هو رأي صناع القرار.
مع ارتفاع أسعار مواد البناء، وتآكل قيمة الإيجارات القديمة، باتت آلاف البنايات في المدن الكبرى مهددة بالتدهور. يرى المؤيدون أن وحدات الإيجار القديم تمثل نسبة ضخمة من المخزون العقاري. هذا المخزون غير مستغل بشكل عادل. هذا ينطبق على المالك والاقتصاد على حد سواء.
مظلومية المالك: استعادة حقوق ضائعة
بالنسبة للملاك، جاءت هذه الخطوة متأخرة جدًا. القانون يعيد لهم حقوقًا ضاعت لعقود طويلة. حرموا خلالها من الانتفاع بعقاراتهم. لم يتمكنوا حتى من ترميمها. بعضهم ورث عمارات لا تُدخل عليهم إلا عشرات الجنيهات شهريًا. هناك أبراج سكنية يكسوها الإهمال. هذا لأن المستأجرين يرفضون أي زيادة أو تطوير.
أجمع الملاك على أن القانون يعيد حقًا مجمدًا. يعيد عقارًا بات في نظر القانون بلا قيمة حقيقية. بالنسبة للبعض منهم، القانون لا يطرد أحدًا. بل يعيد التوازن إلى معادلة ظلت مختلة لعقود.
مظلومية المستأجر: مخاوف وجودية وبدائل مفقودة
في المقابل، يرى المستأجرون أنهم فريسة لتحولات اقتصادية لا يتحملونها. البدائل المتاحة تقع خارج قدرتهم. هذا ينطبق بشكل خاص على كبار السن وأصحاب المعاشات ومحدودي الدخل.
يُعد الخروج من وحداتهم مخاطرة وجودية. ومع ذلك، بعضهم لا يعارض التعديل من حيث المبدأ. لكنه يخشى أن يُترك وحده في مواجهة السوق. يخشى أن تتحول الوعود بالبدائل إلى مجرد حبر على ورق بلا تنفيذ.
في المنتصف، ومع تأكيد رئيس الوزراء بأنه لن يتم طرد المستأجر بعد انتهاء الفترة الانتقالية، تظل الحكومة مطالبة بالتوازن. يجب أن توازن بين العدالة الاجتماعية والاعتبارات الاقتصادية. لكنها في حقيقة الأمر مهمة شديدة التعقيد. هذا في ظل الظروف الحالية.
تفاصيل القانون: زيادات وتصنيفات وحالات إخلاء
نحو 1.6 مليون أسرة تسكن في وحدات إيجار قديم. هذا ما يعادل 6 ملايين مصري. أكثر من ثلثهم يدفع أقل من 50 جنيهًا شهريًا. هذه أحدث البيانات الحكومية الصادرة. وهي تخص عام 2017.
ينص القانون على زيادات تدريجية في القيمة الإيجارية. تُحدد هذه الزيادات بناءً على تصنيف المناطق. تُقسم المناطق إلى متميزة، ومتوسطة، واقتصادية. هذا وفقًا لما تقرره لجان حصر في كل محافظة. تستند هذه اللجان إلى معايير تشمل الموقع، ومستوى البناء، والمرافق، والخدمات.
وفقًا لهذا التصنيف، تُرفع القيمة الإيجارية إلى 20 ضعفًا في المناطق المتميزة. الحد الأدنى لا يقل عن 1000 جنيه. وفي المناطق المتوسطة، تُرفع 10 أضعاف. الحد الأدنى فيها 400 جنيه. وكذلك في المناطق الاقتصادية، تُرفع 10 أضعاف. الحد الأدنى هنا 250 جنيهًا.
تُطبق زيادة سنوية دورية بنسبة 15% على القيم المحددة. بينما تُفرض أجرة مؤقتة بقيمة 250 جنيهًا شهريًا. هذا لحين انتهاء عمل اللجان. تُسدد الفروق لاحقًا على أقساط.
يتضمن القانون حالات إخلاء إلزامي. منها ترك الوحدة مغلقة لمدة تزيد على سنة دون مبرر. أو امتلاك المستأجر لوحدة مماثلة تصلح للغرض ذاته. للمالك الحق في اللجوء إلى القضاء. هذا يحدث حال الامتناع عن الإخلاء في نهاية المدة القانونية.
من وحي الناس: تساؤلات معلقة وواقع مرير
القانون أطلق صافرة بداية لأصوات أخرى. هؤلاء لا ناقة لهم في الموضوع ولا جمل. لكنهم تساءلوا: مَن سيتولى تنفيذ قانون اليوم؟ مَن سيراقب التصنيفات؟ ومَن سيضمن ألا يصبح سقف شقة الإيجار القديم أول ما يُهدم في زلزال التحرير السكني؟
أم حسن لم تفهم تفاصيل القانون. لم تسأل عن عدد المواد التي صوت عليها البرلمان. ولا عن نسبة الزيادة السنوية. لكنها قالت جملة ربما تلخص كل شيء. تشعر وكأنها كانت حاضرة الجلسة. ترد بسخرية شعبية على انتقاد رئيس مجلس النواب للحكومة: “لو كان فيه حد هيسمعنا، كانوا سألونا قبل ما يقرروا”.
وجهات النظر التي استعرضناها، وقصة أم حسن نفسها، جاءت من وحي الشارع. من نبض الأحياء. من تعليقات الناس على منصات التواصل الاجتماعي. ومن متابعة حية لتصريحات الخبراء والمسؤولين. جمعناها هنا لتكون خلاصة مكثفة. هي صورة جدلية معقدة لا تزال تتشكل.





