
شهدت عدة مدن مغربية مساء الاثنين استمرار موجة احتجاجات شبابية يقودها ما يُعرف بـ”جيل زد 212″، حيث حاول المشاركون تنظيم وقفات ومسيرات تطالب بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، رغم الانتشار الأمني الكثيف الذي حال دون ذلك.
وركزت التحركات في مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وأغادير وطنجة ووجدة، ووفقًا لتقارير، أوقفت السلطات العشرات لفترات قصيرة قبل الإفراج عن معظمهم.
انطلقت الحركة الشبابية عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك وإنستغرام وديسكورد، وقد دعت إلى تحركات متزامنة في مختلف المدن، مستندة إلى شكوى أولية حول سوء أوضاع المستشفيات في أغادير، قبل أن تنتشر المظاهرات إلى مدن أخرى.
ويرى محللون أن هذه التحركات تعكس بروز جيل جديد من الناشطين يعتمد على الفضاء الرقمي للتنظيم والتعبئة، ويحول النشاط الافتراضي إلى حضور فعلي في الشارع.
في العاصمة الرباط، اعتقلت الشرطة عدداً من المتظاهرين أثناء محاولتهم ترديد شعارات أو التحدث إلى الصحافة، من بينهم نجاة أنور، رئيسة جمعية حماية الطفل، التي قالت عقب إطلاق سراحها: “حضرت لأتقصى أنباء اعتقال قاصرين، لكنني وجدت نفسي رهن الاعتقال لساعتين.”
وفي الدار البيضاء، أغلق شبان طريقًا سريعًا لفترة وجيزة، بينما أظهرت مقاطع فيديو تدخل قوات الأمن لتفريق طلاب في محيط جامعة أغادير. وأكد المشاركون أن احتجاجاتهم تهدف إلى تسليط الضوء على ما يعتبرونه أولويات حكومية خاطئة، مثل الاستثمار في تجهيز ملاعب استعدادًا لكأس العالم 2030 على حساب الصحة والتعليم.

وردد المحتجون شعارات مثل: “المستشفيات قبل الملاعب” و”الشعب يريد الصحة والتعليم”، إضافة إلى عبارة: “الصحة أولًا.. لا نريد كأس العالم”، فيما شارك في التحركات عدد من الشخصيات السياسية والحقوقية التي طالبت السلطات بالاستجابة الفورية لمطالب الشباب.
في سياق متصل، أعلن حزب “فيدرالية اليسار الديمقراطي” تعليق مشاركته في المشاورات الخاصة بالانتخابات التشريعية مع وزارة الداخلية، احتجاجًا على ما وصفه بـ”التضييق على الحريات العامة”، وهو ما يعكس تصاعد الاحتقان السياسي والاجتماعي نتيجة عدم معالجة الحكومة للمشكلات البنيوية.
وتبلغ نسبة البطالة في المغرب 12.8%، وتصل إلى 35.8% بين الشباب و19% بين الخريجين، وفق بيانات وكالة الإحصاء الوطنية، وهو ما يضيف بعدًا اقتصاديًا لمطالب المحتجين، الذين يرون أن تحسين فرص العمل والخدمات الاجتماعية يجب أن يكون أولوية حكومية.
وقد وثقت مواقع التواصل الاجتماعي توقيفات ومواجهات أمنية رافقت الاحتجاجات، فيما أكد العديد من الشهود أن التدخل الأمني جاء لفرض النظام أكثر من كبح الاحتجاجات السلمية، في حين لم تصدر الحكومة أي بيانات رسمية لطمأنة المواطنين أو توضيح موقفها من هذه التحركات.
وشارك في الاحتجاجات نساء بشكل ملحوظ، لاسيما اللواتي يتأثرن مباشرة بسوء الخدمات الصحية والتعليمية، ويشاركن في رعاية الأبناء والعمل في قطاعات متعددة، ما يجعل وجودهن قوة احتجاجية بارزة تعكس حجم التطلعات المجتمعية نحو العدالة الاجتماعية والمساواة.
ويرى محللون سياسيون أن موجة الاحتجاجات الحالية تمثل استفتاء رمزيًا على فشل السياسات الحكومية في الاستجابة لمطالب المواطنين، وأن استمرار تجاهل الحكومة للواقع الاجتماعي يزيد من حدة الاحتقان، مما قد يدفع نحو إعادة تشكيل المشهد السياسي في الانتخابات المقبلة، إذا لم تتخذ الأحزاب خطوات جدية لاستقطاب الشباب ومنحهم فرصًا حقيقية للمشاركة والتأثير.




