هناك تفاصيل صغيرة شكلت وجدان المجتمع المصري، تلك التفاصيل التي طواها النسيان مع تغير الزمن، ومن بين ما وثقه، حكاية ورق اليانصيب التي بدأت خجولة في بدايات القرن العشرين، ثم تحولت إلى ظاهرة اجتماعية تسكن مقاهي الحارات وأحلام الفقراء.
-
الفضة تكسر قواعد السوق وتتفوق على الذهب في 202626 أبريل، 2026
ميلاد الحلم على استحياء
في عام 1911، وصلت أولى دفعات ورق اليانصيب إلى القاهرة، مع شركات أجنبية رأت في السوق المصرية أرضًا خصبة لبيع الحلم بثمن لا يتجاوز نصف قرش، كان يكفي أن يشتري المرء ورقة صغيرة ليحمل معه أملاً كبيرًا بأن يربح في الصباح التالي ألف جنيه أو أكثر، مبلغًا يعد ثروة في ذلك الزمان، سرعان ما أصبحت الورقة الرقيقة حديث المقاهي والبيوت، يتداولها الناس كما يتداولون الأمل، أما بائعوها، فكانوا يجوبون الشوارع حاملين نداءاتهم المفعمة بالرجاء: “يا نصيب الخير… الحظ السعيد!”
عبده السروجي.. من الغناء إلى بيع الأمل
ومع ازدياد الإقبال، تحولت تجارة اليانصيب إلى نشاط منظم له محاله وتجارته الخاصة، من أبرز من ارتبط اسمه بها المطرب عبده السروجي، جد الفنان أحمد السقا لوالدته، بعد اعتزاله الغناء، أسس السروجي محلًا في ميدان العتبة لتوزيع أوراق اليانصيب، يتلقى فيه نشرات الأرقام الفائزة ويوزعها على الأكشاك الممتدة من العباسية شرقًا إلى شارع فؤاد وقصر النيل غربًا.
كان مشهد الزبائن المتحلقين أمام محله طقسًا أسبوعيًا متكررًا، بعضهم يخفي الورقة في جيبه كما يخفي سرًا غاليًا، وبعضهم يلوح بها بفخر وكأنها صك ثراء واعتراف بالجدارة، وبين هؤلاء وأولئك، يقف بائع بسيط يعود آخر النهار بجيوب خاوية، يقتسم ما تبقى من الأمل مع صاحب المقهى.
بين الفتوى والحلم
لم يخلُ الأمر من الجدل، فبينما رأى رجال الدين في اليانصيب نوعًا من القمار المحرم، دافع بعض المفكرين والصحفيين عن حق الفقراء في “شراء الحلم”، كتب سلامة موسى معترضًا: “أليس أولى بالدولة أن تستثمر في التعليم بدلاً من تسلية الجماهير بورقة يتيمة؟”، بينما امتلأت صفحات جريدة المساء بصور الفائزين وهم يوزعون الحلوى على الجيران، ليصبح اليانصيب في نظر الكثيرين طقسًا اجتماعيًا يبدد كآبة الواقع كل أسبوع.
من ثراء مفاجئ إلى خيبة أمل
الفائز بالجائزة الكبرى كان يتحول بين ليلة وضحاها إلى وجه من وجوه المجتمع، يشتري أرضًا أو يبني عمارة أو يقتني سيارة فاخرة، أما البائع الذي حمل الورق في الحر والبرد، فكان يعود بخيبته ليحلم هو الآخر بدوره في المرة القادمة، ورغم هذه المفارقات، ظل الحلم أقوى من كل حسابات المنطق.
أفول الورق الذي باع الحلم
بلغت شهرة اليانصيب ذروتها في الأربعينيات والخمسينيات، قبل أن يبدأ بريقه في الخفوت مع تغير الزمن وظهور فرص جديدة للكسب المشروع، وفي عام 2011، أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية أن مبيعات اليانصيب تراجعت إلى حد غير مسبوق: خمسة آلاف ورقة فقط بيعت من أصل مائة ألف مطبوعة، أغلبها من فئة خمسة وعشرين قرشًا وخمسين قرشًا، أمام هذا التراجع الحاد، تقرر إلغاء بيع وتداول ورق اليانصيب نهائيًا، لتطوى صفحة امتدت قرنًا من الزمان.
الحلم الذي لا يموت
هكذا انتهت أسطورة ورق اليانصيب، لكنها تركت وراءها أثرًا عميقًا في ذاكرة المصريين، شاهدةً على شغف البسطاء بالحلم، وعلى قدرتهم الدائمة على نسج الأمل من ورقة صغيرة لا يتجاوز ثمنها نصف قرش، فبين الأمل والخيبة، كتبت هذه الورقة فصلًا كاملًا من دفتر أحلام مصر القديمة.







