حكاية والدة الأبنودي.. أكبر معددة في الصعيد وصوت الحزن الشعبي

في القرى والنجوع المصرية، كانت المعدة أو المعددة أكثر من مجرد امرأة تنوح على الموتى، بل كانت حافظة للذاكرة الشعبية ومؤرخة بالشفاه. صوتها يفتح أبواب الحزن، والعبارات التي ترتجلها تحوّل فقد الأحباب إلى كلمات تحمل الشجن والجمال في آن واحد. كانت المعددة تقف في المآتم والمواكب لتردد “العديد”، وهو فن شعري غنائي يوثق حياة الراحل، يخلد مواقفه وأفعاله، ويترجم ألم الفقد إلى شعر يُحرك القلوب ويستعيد الذاكرة الجماعية للمجتمع الريفي.

 

فن البكاء المنغم

 

العديد ليس مجرد صراخ أو نواح، بل هو فن شفهي منظم، له إيقاع خاص وتقاليد صارمة، يبدأ بنداء اسم الميت، ثم يسرد فضائله ومواقفه، مستخدمًا المجاز واللغة الشعبية بطريقة مذهلة، أن العديد هو امتداد للمراثي القديمة التي عرفها المصريون منذ عهد الفراعنة، حين كانت النساء يبكين على النيل في وداع الموتى، ليحفظن السيرة ويخلدنها عبر الأجيال.

 

والدة الأبنودي.. صوت الجنوب الحزين

 

من أشهر المعددات في صعيد مصر كانت والدة الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، التي ذاعت شهرتها في قرى قنا وما حولها. كانت امرأة قوية الحضور، تحفظ عشرات النصوص، وتبدع في ارتجال المراثي بصدق وإحساس عميق. يروي الأبنودي أن أذنه تشبعت منذ طفولته بإيقاع صوتها وهي تعدد على موتى القرية، وأنها علمته جمال اللغة الشفوية، وكيفية بكاء الكلمات قبل الحروف. ومن رحم هذه التجربة خرجت أعماله التي حملت نفس النغمة الشعبية الممزوجة بالحزن والصدق، مثل قصيدته الشهيرة “جوابات الأسطى حراجي القط”.

 

العديد.. توثيق غير مكتوب لتاريخ الناس

 

كانت المعددات توثق التاريخ الجمعي للقرى بطريقة شفوية. كل “عديدة” تحمل بين أبياتها سردًا لحياة الميت، نسبه، أفعاله، ومكانته في المجتمع. من خلالها يمكن للباحث أن يقرأ تركيبة المجتمع الريفي، مكانة الرجال، أدوار النساء، مفاهيم البطولة، والعلاقات بين العائلات.

 

غالبًا ما كان العديد يُقال في حضور النساء فقط، إلا أنه أحيانًا كان يتسلل إلى آذان الرجال عبر الجدران، فيصمت الجميع احترامًا لذلك اللحن الباكي الذي يعيد للميت حضوره بين الناس.

 

لكل فقيد “عديدة” تخصه

 

لم تكن جميع العديدات متشابهة، فالمعددة كانت تختار لحنها وكلماتها بحسب الفقيد وعلاقته بالمجتمع.

 

على الأب، يفيض العديد بالشجن ويبرز مكانته كعمود البيت وسنده: “يا سند البيت فين رايح وسايبنا للتعب؟”.

 

على الابن، يحمل لحن العديد كسرة فقد مفاجئة وضياع العمر قبل أوانه: “يا ضنايا يا اللي العمر جرى وما خلاش ليا بكرة”.

 

على الأخ، يجمع بين الحزن والفخر: “يا ضهري يا اللي راح، وسابني للدنيا مليانة جراح”.

 

بهذا التمييز العاطفي الدقيق، كانت المعددة تعكس عمق الوجدان الشعبي وقدرته على صياغة مشاعر متباينة في قالب شعري غنائي بسيط ومؤثر.

 

من الطقس إلى التراث المنسي

 

مع مرور الزمن، بدأ صوت المعددة يخفت، وتراجعت هذه المهنة بعد تغيّر طقوس الحزن، لتحل محلها مكبرات الصوت والدعاء المسجل. ومع رحيل الجيل القديم من المعددات، اختفى جزء من الذاكرة الشفوية الشعبية التي لم تُدون بعد، تاركة فراغًا في التراث الثقافي المصري.

 

المعددة.. إرث نسائي يستحق التوثيق

 

المعدة لم تكن مجرد نائحة، بل شاعرة بالفطرة ومؤرخة للوجع الإنساني. صوتها ليس مجرد نغمة حزن، بل صدى ثقافة كاملة تنتمي للجنوب المصري، وهي ثقافة تستحق الدراسة والتوثيق، كما فعل الأبنودي حين جمع “السيرة الهلالية” من أفواه الرواة.

 

قصص المعددات، مثل والدة الأبنودي، تعلمنا أن اللغة الشعبية والفن الشفهي يمكن أن يكونا مدرسة للحياة، وأن البكاء والغناء ليس مجرد تعبير عن الفقد، بل تسجيل للتاريخ، للفضائل، ولحياة الناس اليومية.

 

قد يكون فن العديد اليوم على وشك الانقراض، لكن إرثه باقٍ في القصائد الشعبية والأعمال الأدبية التي استلهمتها الأجيال، وفي قلوب من شهدوا هذه الطقوس بأنفسهم. المعددة كانت صوت الحزن والذاكرة والجمال في آن واحد، وهي مثال حي على كيف يمكن للمرأة الشعبية في قرى مصر أن تترك أثرًا خالدًا في الفن والتاريخ.

 

إن دراسة هذا الفن لا تقتصر على البعد الثقافي، بل تتعداه لتكشف عن أعماق النفس الإنسانية وقدرة المجتمعات على التعبير عن الحزن والكرامة والذاكرة الجمعية، فتظل المعددة، بصوتها وإيقاعها وفنها، علامة بارزة في التراث المصري الذي يجب الحفاظ عليه للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى