مأساة وداد حمدي… جريمة هزّت الوسط الفني وكشفت مأساة فنانة رحلت وحيدة

في صباح السادس والعشرين من مارس عام 1994 استفاق الوسط الفني المصري على خبر صادم: العثور على الفنانة المحبوبة وداد حمدي مقتولة داخل شقتها. خبر أثار موجة عارمة من الحزن، فهذه الفنانة التي أضحكت الملايين ببساطتها الشديدة وخفّة ظلّها وجمال حضورها، رحلت في مشهد قاسٍ لا يشبه حياتها الهادئة.

 

بدأت القصة باتصال من بوّاب العمارة بشقيقة الفنانة؛ فقد لاحظ أن إنارة شقتها مضاءة منذ الليلة السابقة، كما أن البوابة الحديدية أمام بابها كانت مفتوحة، وهو أمر لم تعهده منه، فوداد كانت حريصة للغاية وتعيش وحدها منذ سنوات. أسرعت شقيقتها إلى المنزل، طرقت الباب دون رد، ثم فتحت بالمفتاح الاحتياطي… لتجد المشهد المروّع: وداد حمدي مقتولة وملقاة فوق السرير.

 

وصلت الشرطة، وبدأت المعاينة الأولية. سألت شقيقتها عن آخر اتصال بينهما، فأخبرتهم أن وداد كانت قد تحدثت معها قبل يومين، وكانت فرحة لأنها تلقت عرضًا للعمل في مسلسل تابع لشبكة ART، وأن الريجيسير متى باسليوس اتصل بها ليحدّد موعد قراءة السيناريو. كانت سعيدة بأنها ستعود إلى التمثيل بعد سنوات من الابتعاد وتجاهل المنتجين والمخرجين لها.

 

لكن خلف هذه المكالمة كانت هناك نوايا مظلمة. فـ متى باسليوس كان غارقًا في الديون، يبحث عن أي وسيلة لسدادها. حاول الاستعانة بعدد من الفنانين الذين يعرفهم؛ تواصل مع يسرا فلم تهتم، وحاول الاقتراب من أحمد زكي دون جدوى. وأخيرًا رأى في وداد ضحية سهلة؛ امرأة مسنّة تعيش وحيدة، وربما تحتفظ ببعض المال.

 

أخفى في جيبه سكينًا داخل قطعة قماش، وارتدى قفازًا، ثم توجّه إلى شقتها في عمارة “فينوس” رقم 38 بشارع رمسيس. وفي طريقه التقى خبير المكياج الشهير محمد عشوب الذي سأله مازحًا عن وجهته، فأجابه متى: «رايح أسدّد كل ديوني»… جملة حملت معنى لم يفهمه أحد إلا بعد وقوع الجريمة.

 

استقبلته وداد بحفاوة كعادتها، وقدّمت له كوبًا من الليمون، وسألته عن تفاصيل العمل: من المنتج؟ من المخرج؟ لكنه لم يكن مستعدًا لهذه الأسئلة، فأخبرها بأنهما يجلسان في مقهى قريب وسيأتيان بعد قليل. استأذن ليدخل الحمّام، وهناك أخرج السكين وارتدى القفاز، ثم عاد ليهاجمها.

 

كانت وداد تحمل له الفوطة، وحين رأته يهجم عليها وضَع السكين على رقبتها، توسّلت إليه أن يأخذ ما يريد ويترك لها حياتها. لحظة تردّد قصيرة، انتهت بقرار قاتل: انهال عليها بـ 35 طعنة في حالة هستيرية. وفي لحظة مقاومة أخيرة، جذبت خصلة من شعره بقيت بين أصابعها قبل أن تفارق الحياة.

 

بحث القاتل في كل أرجاء المنزل عن المال فلم يجد سوى 250 جنيهًا… ذلك كل ما امتلكته فنانة قضت حياتها بين البلاتوهات. أخذ المبلغ الضئيل وفرّ هاربًا.

 

بدأت الشرطة التحقيق، وعُثر على خصلة شعر داخل يد الجثمان، إضافة إلى بصمة مجهولة داخل الصالون. وُضعت قائمة بالمشتبه بهم، واستُبعد معظمهم بسرعة… لم يبقَ سوى متى باسليوس الذي كان آخر من تواصل مع الضحية.

 

بعد مطاردة طويلة ألقت قوات الأمن القبض عليه. أنكر في البداية كل شيء، لكن أمام الأدلة المادية—البصمات، الشعر، ومعطيات الاتصال—انهار واعترف بالتفاصيل كاملة. قال إنه كان مدينًا لعدد من الأشخاص، وإنه فكّر في سرقة يسرا أو أحمد زكي، لكن الظروف ساقته إلى وداد حمدي.

 

أُحيل إلى القضاء، وبعد محاكمة استمرت أشهر صدر الحكم بإعدامه بعد أخذ رأي مفتي الجمهورية، وتم تنفيذ الحكم بعد سنوات.

 

رحلت وداد حمدي عن عمر ناهز السبعين، ورحلت معها صفحة جميلة من تاريخ السينما المصرية. رحلت فقيرة، منسية من المخرجين والمنتجين، لكن محبوبة في قلوب جمهورها… وظلّت جريمتها واحدة من أبشع الجرائم في الوسط الفني وأكثرها إيلامًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى