
في اعتراف إنساني بالغ الصدق، فتحت الفنانة الكبيرة ميمي شكيب خزائن ذاكرتها، لتروي فصولًا موجعة من حياتها، حياة بدأت في القصور وانتهت إلى خشبات المسرح، مرورًا بزواج مبكر، ووحدة قاسية، وأفكار سوداء دفعتها ذات يوم إلى التفكير في الانتحار، قبل أن ينقذها الفن من الغرق.
تقول ميمي شكيب:
ولدت في حلوان في الخامس والعشرين من أكتوبر، ولا أحب أن أذكر العام، فالعمر عندي ليس رقمًا. والدي كان شركسيًا ومن كبار الضباط، وجدي باشا من الأتراك، وأمي وجدتي تركيتان. كنت واحدة من اثني عشر أخًا وأختًا، لم يبقَ منهم اليوم غيري وشقيقتيّ، وكأن الحياة اختارت أن تفرغ الدائرة من حولي مبكرًا.
في سن الرابعة، أُرسلت إلى مدرسة الميردديه، وأُغلقت الأبواب خلفي. لم أكن أخرج إلا يومًا واحدًا في الأسبوع. كنت طفلة لا تعرف حرفًا واحدًا من اللغة العربية، فوالدتي كانت تتحدث سبع لغات، للأسف لم تكن العربية من بينها. ظللت غريبة عن لغتي حتى تزوجت.
كانت الراهبات يصفنني بـ“بنت صمامة”، لأنني كنت أحفظ الدروس عن ظهر قلب دون فهم، لكنني كنت بارعة في الأشغال اليدوية، وأحب الغناء والرقص في الحفلات السنوية. كان ذلك الماضي… بفرحه البريء ودفئه المفقود.
عند الثالثة عشرة، قررت أمي أنني صرت صالحة للزواج. عدت من المدرسة ذات يوم، فوجدت البيت ممتلئًا بالناس، والشربات والحلوى والزغاريد. فوجئت برجل مهيب، أفندي وقور، لا يقل عمره عن الخامسة والثلاثين. هكذا، وبلا تمهيد، أصبحت زوجة وأنا ما زلت طفلة.
عشت ثلاثة أشهر سجينة جدران البيت، ثم اختفى الزوج فجأة. تركني وهرب. يبدو أنه أدرك الفارق الهائل بين سنّنا وعقولنا وطباعنا، فآثر الفرار. وبعد شهور قليلة، تزوج بأخرى، وترك لي لقب الزوجة وعبء الانتظار.
أنجبت طفلي بعيدًا عن أبيه، ووجدت نفسي وحيدة في فراغ خانق. يومها، تسللت إليّ أفكار سوداء، وفكرت جديًا في الانتحار. كنت أشعر أنني انتهيت قبل أن أبدأ.
لم ينقذني من هذا الفراغ سوى الكتب. التهمت الروايات الفرنسية التهامًا، واكتشفت من خلالها عالمًا لم أعرفه من قبل: المسرح، السينما، التمثيل. لم أكن قد رأيت مسرحًا، ولا ممثلًا، ولا فيلمًا واحدًا. وعندما انفجر الكبت، كان انفجارًا مدويًا.
في عام 1922، اتخذت القرار المصيري: سأعمل بالتمثيل. ساعدني في ذلك تعرفي على الأستاذ الراحل عمر وصفي، الذي رأى فيّ خامة تصلح للفن. وضعت لنفسي مبدأً صارمًا: إذا دخلت هذا العالم، فلن أقبل إلا الأدوار الأولى. وبالفعل، كونت فرقة مسرحية خاصة بي، ووقف إلى جواري عمالقة مثل زكي رستم وأحمد علام. قدمت أدوارًا درامية، وكنت موفقة فيها، ولا زلت حتى اليوم أحن إلى الأدوار الحزينة، فمخزون الحزن في النفس لا ينضب.
أول أعمالي كانت مسرحية “الممثلة فيوليت” باللغة العربية الفصحى. قلت لنفسي يومها: إن لم أنجح، فالانتحار أهون من شماتة أهلي. سهرت الليالي أدرس دوري، وتعبت، ونجحت بقوة الإرادة.
في عام 1935، انضممت إلى الفرقة القومية، لكنني شعرت بالاختناق. كيف أكون صاحبة فرقة، ثم أتحول فجأة إلى مجرد ممثلة بين عشرات؟ غادرت، وواصلت الطريق وحدي.
ثم جاء نجيب الريحاني، صديق الأسرة، وأستاذ الفن. بصوته الدافئ ولهجته المحببة، عرض عليّ الانضمام إلى فرقته. قبلت فورًا. ألف من أجلي مسرحية “حكم قراقوش”، وقال لي: قماشك واسع، وأنت عجينة طرية في يدي. وكان صادقًا. أخرجني من ظلمات نفسي، وأنقذني من وساوس القلب، ودفعني إلى أضواء المسرح الضاحك.
عانيت من الحسد ومتاعب الزميلات، حتى جاءت ليلة الافتتاح. كان الريحاني خائفًا، وقال للملقن: لو نجحت ميمي في الفصل الأول، سأعطيك خمسة جنيهات. كدت أغمى عليّ، لكنه نبهني، فأديت دوري، ونجحت. وعرفت ذلك حين رأيته يدفع الجنيهات بيده.
وفي عام 1943، ظهر في حياتي سراج منير. كنت أرفض الزواج بسبب جرح الماضي، لكن الريحاني قال لي: هو صالح لك، فنان مثلك، ويفهمك. تزوجته، رغم رفض أهلي.
واليوم، تقول ميمي شكيب، أعيش بين المسرح والسينما، وقد تعلمت أن المال يذهب ويجيء، وأن الفن باقٍ. لم أكن أعلم أن بريق الأضواء قد يعمي الأبصار عن المآسي، ولا أن طريق الفن مفروش بالأشواك… حتى نزفت قدماي وأنا أسير فيه.






