
مع اقتراب موعد الجلسة البرلمانية المقررة لانتخاب رئيس مجلس النواب العراقي ونائبيه، تتصاعد حدة التوترات داخل البيت السياسي السني، في مشهد يعكس تعقيد الحسابات وتضارب المصالح داخل التحالفات، ويعيد خلط أوراق التفاهمات التي تشكلت خلال الأسابيع الماضية. التطورات المتسارعة تشير إلى أن معركة رئاسة السلطة التشريعية باتت أكثر تعقيدًا، مع تزايد الانقسامات وظهور اصطفافات جديدة قد يكون لها تأثير مباشر على مسار الجلسة المرتقبة وإمكانية انعقادها بسلاسة.
وجاءت هذه التحركات السياسية متزامنة مع انسحاب نائبين بارزين من أحد أبرز التحالفات السنية، في خطوة حملت دلالات سياسية عميقة، وألقت بظلالها على فرص التوافق على مرشح موحد. فقد أعلن النائبان سالم مطر العيساوي وزياد الجنابي انسحابهما من تحالف السيادة، في موقف احتجاجي على ما وصفاه بطريقة إدارة القرار داخل التحالف، خاصة فيما يتعلق بملف ترشيح رئيس مجلس النواب. هذه الخطوة لم تكن عابرة، بل كشفت عن وجود تململ داخلي واعتراضات على آلية فرض الأسماء دون الوصول إلى توافق شامل يراعي توازنات القوى داخل التحالف.
ويُنظر إلى انسحاب العيساوي والجنابي باعتباره ضربة سياسية لتحالف السيادة في توقيت حساس، نظرًا لما يتمتع به النائبان من ثقل برلماني وعلاقات ممتدة مع قوى سياسية مختلفة، الأمر الذي قد يؤثر على قدرة التحالف في الحفاظ على تماسكه والتفاوض من موقع قوة خلال الاستحقاق النيابي المقبل. وتفيد معطيات من كواليس المشهد السياسي بأن الخلاف يتمحور حول ترشيح هيبت الحلبوسي، الذي تصدر نتائج الانتخابات في محافظة الأنبار، غير أن اسمه أثار تحفظات داخلية بسبب طبيعة القرار وآلية تمريره.
في المقابل، يتمسك تحالف العزم بموقفه الداعم لترشيح رئيسه مثنى السامرائي، مؤكدًا أن ترشيحه نهائي وغير قابل للمساومة. التحالف شدد على أن ما يتداول عن احتمالات سحب الترشيح أو استبداله لا أساس له من الصحة، وأنه ماضٍ في هذا الخيار ضمن التفاهمات السياسية القائمة والاستحقاقات الدستورية. هذا الإصرار يعكس رغبة العزم في تثبيت حضوره كلاعب رئيسي في معادلة رئاسة البرلمان، وعدم السماح بفرض خيارات من خارج إرادته السياسية.
وسط هذا الانقسام، تتجه الأنظار إلى موقفي الإطار التنسيقي والقوى الكردية، اللذين يُنظر إليهما باعتبارهما العامل الحاسم في ترجيح كفة أي من المرشحين. فالإطار التنسيقي، بحسب تقديرات سياسية، لا ينظر إلى الأسماء بقدر ما يركز على الضمانات والتفاهمات السياسية التي يمكن أن يقدمها المرشح، في ظل حديث عن تراجع حظوظ بعض الأسماء بسبب خلافات سابقة، مقابل صعود خيارات تُعد أقل كلفة سياسيًا وأكثر قابلية للتفاهم. أما القوى الكردية، فتتعامل مع ملف رئاسة البرلمان من منطلق براغماتي، حيث يسعى كل طرف لضمان استمرار التفاهمات التي تحقق مصالحه السياسية والإدارية.
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، يترقب الشارع السياسي مؤتمرًا صحفيًا مرتقبًا لمثنى السامرائي، يُنتظر أن يوضح فيه الموقف النهائي لتحالف العزم من جلسة الانتخاب، وما إذا كانت هناك مبادرات سياسية قد تُطرح لتفادي سيناريو التعطيل أو الانسداد. ويُنظر إلى هذا المؤتمر باعتباره محطة مفصلية قد تعيد رسم التحالفات داخل البرلمان، أو تمهد لتفاهمات جديدة تضمن انعقاد الجلسة وتمرير الاستحقاق بأقل قدر من الخسائر السياسية، في مشهد يعكس عمق التعقيد الذي يواجه العملية السياسية العراقية في هذه المرحلة الدقيقة.






