بين الفقر والضحك.. طفولة فريد الأطرش كما لم تُروَ من قبل

في مذكراته، يستعيد الموسيقار فريد الأطرش واحدة من أقسى مراحل الطفولة، حين تبدلت ملامح الحياة فجأة، وانتقلت الأسرة من سعة العيش إلى ضيقه. لم يعد الطعام متاحًا بلا حساب، بل صار يُقسَّم بحذر إلى أنصبة محددة، تعكس واقعًا جديدًا فرضته الظروف.

 

التحق فريد وشقيقه فؤاد بالمدرسة، بينما بقيت شقيقتهما آمال في المنزل لصغر سنها، لكنها كانت ترى نفسها مسؤولة، تسعى لمعاونة والدتها في شؤون البيت. وفي محاولة منها للمشاركة، كادت أن تتعرض للخطر حين جرفت المياه الصغيرة أناملها أثناء غسل الملابس، في مشهد يكشف براءة الطفولة حين تصطدم بواقع قاسٍ.

 

واجهت الأم هذه التحولات بصبر لافت، رغم أن ما تملكه من حُليّ أخذ يتناقص تدريجيًا، وكأنه مؤشر صامت على اقتراب الإفلاس. حتى الطعام، الذي كان يومًا وفيرًا، صار محدودًا، وخصوصًا اللحم الذي أخذ يقل كما قلّ الذهب في يديها.

 

وسط هذا الضيق، لم تغب روح الطفولة العابثة. كان فريد يحتفظ بنصيبه من اللحم ليغيظ به شقيقيه، بينما كانت آمال، بطبعها الحاد، ترد بطريقة طريفة، فتدفع قطتها لخطف القطعة، لتبدأ مطاردة صاخبة بينها وبين كلبها الصغير، تنتهي غالبًا بضحكاتها التي تملأ المكان. أما فريد، فكان يستعيد القطعة ويغسلها ويعود بها، وكأن شيئًا لم يحدث.

 

ورغم قسوة الظروف، لم تخلُ الحياة من مواقف طريفة؛ إذ فقدت آمال قطعة لحم من صينية بطاطس بعدما خطفها طائر جارح، فعادت باكية، غير أن الأسرة استقبلت الموقف بالضحك، مما خفف من وطأة الموقف، حتى الأم نفسها شاركتهم الضحك، إدراكًا منها أن الروح المعنوية أهم من الخسارة.

 

غير أن تعلق آمال بحيواناتها الأليفة كان يسبب أحيانًا توترًا داخل المنزل، إذ كانت تخفي جزءًا من طعامها لإطعام قطتها وكلبها، وتصر على إبقائهما قربها أثناء النوم، ما كان يؤدي إلى مشاحنات ليلية تنتهي غالبًا بتدخل الأم.

 

هكذا تكشف هذه الذكريات أن الفقر، رغم قسوته، لم يستطع أن ينتزع من هذه الأسرة دفء المشاعر ولا خفة الروح، بل صاغ من المعاناة حكايات ممزوجة بالألم والمرح في آنٍ واحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى