رحلة البحث عن أول ممثلة مصرية: من لبيبة إلى منيرة المهدية

شهد المسرح المصري في بداياته مرحلة مليئة بالتحديات، خاصة فيما يتعلق بإدخال العنصر النسائي على خشبة المسرح. بدأت القصة مع خليل النقاش، الذي أسس أول فرقة تمثيلية في مصر، لكنه واجه مشكلة كبرى: غياب النساء عن المشاركة في المسرح، وهو أمر كان يعتبره المجتمع آنذاك جريمة كبيرة. فاضطر خليل النقاش إلى تكليف بعض الرجال الوسيمين بأداء أدوار النساء، محاولة منه لإبقاء عروضه قائمة، رغم محدودية الإمكانيات.

مع مرور الوقت، بدأت فرق أخرى تتنافس على جذب الجمهور، حتى جاء موقف فارق في تاريخ المسرح المصري حين اتفق أحد مؤسسي الفرق مع الشيخ سلامة حجازي المعروف بصوته الجميل وأدائه المتقن، ليكون ضمن فرقته. كان انضمام الشيخ سلامة ضربة قوية للمنافسين، إذ تحول جمهورهم للذهاب خلفه لسماع أدائه المميز.

ردًا على ذلك، قرر القباني إدخال النساء على خشبة المسرح، فتوجه إلى سوريا وجلب فتاة اسمها لبيبة مانيللي. رغم أنها كانت غنائية أكثر منها ممثلة، إلا أنها استطاعت بسرعة اكتساب مهارات التمثيل وأدت أدوار البطلات، ما أدى إلى شعبيتها وتفوقها على منافساتها، بما في ذلك الممثلة السورية ميليا ديان، التي تمكنت لاحقًا من التكيف مع اللهجة المصرية لتصبح أقرب إلى الجمهور المحلي.

مع نجاح هذه المبادرة، بدأت شريحة من الفتيات اليهوديات مثل مارى صوفان، نظلة مزراحى، والمظ اشتانى تدخل المسرح، إلى جانب المطربة الست توحيدة التي كانت أول من قدم أدوارًا كوميدية على المسرح قبل أن تتفرغ للغناء وتؤسس فرقتها الخاصة.

ظل المسرح المصري محرومًا من ممثلة مصرية صميمة حتى عام 1915، حين أعلنت فرق عزيز عيد عن ظهور أول ممثلة مصرية على خشبة مسرح الشانزليزيه في الفجالة، وكانت هي المطربة الشهيرة منيرة المهدية. بدأ عزيز عيد بتدريبها على التمثيل والإلقاء، لكنها سرعان ما استقلت بفرقتها الخاصة، وأدت أدوار الرجال التي كان يلعبها الشيخ سلامة حجازي، لتصبح منيرة أيقونة المسرح النسائي المصري.

مع نجاح فرقة منيرة، بدأ المؤلفون يكتبون مسرحيات خصيصًا لها، وبرزت تحت شعار “أول ممثلة مصرية”، قبل أن تظهر أجيال أخرى من الممثلات مثل رتيبة، إنصاف رشدي وفاطمة رشدي، لتتوسع دائرة التمثيل النسائي في مصر. ومع تأسيس فرقة رمسيس، دخلت نجمات مثل زينب صدقي، علوية جميل، فردوس حسن، ماري منصور وعزيزة أمير، وأمينة رزق عالم الفن، لتؤسس لحقبة جديدة من المسرح المصري، مليئة بالإبداع النسائي على خشبة المسرح، وتضع حجر الأساس لوجود المرأة في الفن المسرحي والدرامي في مصر.

وبهذا، تحولت رحلة البحث عن أول ممثلة مصرية من مسألة تحدٍ اجتماعي إلى قصة نجاح وإبداع، أسهمت في تشكيل هوية المسرح المصري وأكدت قدرة المرأة على لعب أدوار البطولة على خشبة المسرح، لتصبح الممثلة المصرية رمزًا للفن والثقافة والإصرار على تجاوز العقبات الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى