
لم تكن مجرد واقعة عابرة في سجل الجرائم، بل لحظة فارقة كادت أن تضع مصر في قلب عاصفة سياسية كبرى، لولا شجاعة رجل بسيط كتب اسمه في التاريخ بفعله قبل رتبته: “الأمين عبد الله”.
في أحد أيام القاهرة الهادئة، تحديدًا في حي الزمالك، دوّى صوت الرصاص فجأة، ليعلن عن وقوع حادث خطير: اغتيال اللورد والتر غينيس، الوزير البريطاني لشؤون الشرق الأوسط. لم يكن الحادث عاديًا، بل عملية مدبرة نفذها عنصران من منظمة “شتيرن” الصهيونية، بهدف إشعال الفوضى وتوريط مصر سياسيًا أمام بريطانيا.
وسط الارتباك الذي عمّ المكان، والناس التي هرعت في كل اتجاه، كان هناك رجل يؤدي عمله بشكل اعتيادي، لم يتلق أوامر، ولم ينتظر تعليمات. إنه الأمين عبد الله، شرطي بسيط، لكن موقفه كان أكبر من كل الحسابات.
بمجرد أن سمع دوي الرصاص، أدرك أن الأمر جلل، فتحرك بسرعة ووعي. وبينما كان يتفحص الموقف، لفت انتباهه شاب يستقل دراجة، يحمل لافتة “مصلحة التليفونات”، لكن ارتباكه فضحه. لم يتردد الأمين لحظة، انقض عليه، وقيده، وسلمه إلى أقرب دورية شرطة.
لكن القصة لم تنتهِ هنا. كان هناك متهم آخر تمكن من الفرار. لم يهدأ الأمين عبد الله، بل انطلق خلفه في مطاردة محفوفة بالمخاطر، والرصاص يخترق الهواء من حوله. لم يكن يفكر في حياته، بل في واجبه. وبعد مطاردة شاقة، نجح في القبض عليه حيًا، لتنهار بذلك خيوط المؤامرة بالكامل.
هذا الموقف البطولي لم يمر مرور الكرام، فقد كرّمه الملك فاروق الأول، ومنحه نوط الجدارة الفضي، ورُقّي من رتبة شاويش إلى ملازم، إلى جانب مكافأة مالية تقديرًا لشجاعته. حتى البرلمان البريطاني سعى لتكريمه، لكن تم رفض ذلك حفاظًا على سلامته.
ورغم هذا المجد، لم تسر الأمور كما ينبغي لاحقًا. فبعد ثورة 23 يوليو 1952، طُويت صفحة هذا البطل، وتم استبعاده من الخدمة، بل وواجه اتهامات قاسية. وحين طالب بحقه، لم يجد من ينصفه، ليطلق صرخته المؤلمة: “لماذا لا تحاكمونني بالخيانة؟”، دون أن يجد إجابة.
لكن القدر لم ينسه تمامًا، فقد أعاد إليه عثمان أحمد عثمان بعض الاعتبار، حين عيّنه مسؤولًا عن الحرس في شركته. كما خلدت السينما قصته في فيلم “جريمة في الحي الهادئ”، في مفارقة نادرة، حيث جسّد هو نفسه دوره الحقيقي على الشاشة.
عاش الأمين عبد الله حياة هادئة بعيدًا عن الأضواء، تزوج في سن متأخرة، ورُزق بابنتين، حتى رحل في 11 مارس 2002، تاركًا خلفه سيرة رجل لم يكن يبحث عن بطولة، لكنه صنعها… حين وقف وحده في مواجهة الرصاص، دفاعًا عن وطنه وكرامته.






