
وُلدت الفنانة دولت أبيض عام 1896 بمحافظة أسيوط، في أسرة متعددة الجذور؛ فوالدها كان يعمل مترجمًا بوزارة الحربية في السودان، ودرست في مدارس الراهبات بالخرطوم، بينما كانت والدتها روسية الأصل مولودة بالقاهرة. نشأت في بيئة تجمع بين ثقافات مختلفة، وهو ما انعكس لاحقًا على شخصيتها الفنية.
تزوجت في سن مبكرة من دولت حبيب بطرس قصبجي، قبل أن تُعرف فنيًا باسمها الشهير، إلا أن الزواج لم يستمر طويلًا، حيث توفي زوجها وهي في الثانية والعشرين، فعادت إلى بيت والدها دون أن تكون قد احترفت التمثيل بعد. لكن القدر كان يخبئ لها مسارًا مختلفًا تمامًا.
بدأت قصتها الفنية بشكل غير متوقع عام 1917، حين حضرت حفل زفاف قريبة لها، فلفتت الأنظار، وكان من بين الحضور شقيق العريس الفنان عزيز عيد، الذي اكتشف موهبتها وعرض عليها الانضمام إلى فرقته المسرحية. ورغم اعتراض أسرتها الشديد، قررت خوض التجربة، وسافرت إلى الإسكندرية للعمل بالمسرح، في خطوة اعتبرها والدها خروجًا عن العائلة، وحدثت قطيعة كبيرة بينهما.
في إحدى رواياتها عن تلك المرحلة، وصفت مشهد غضب والدها قائلة إنه ألقى طربوشه أرضًا وانهار بالبكاء، مهددًا بالتبرؤ منها، لكنها أصرت على موقفها، مؤكدة أن الفن كان اختيارها مهما كانت التضحيات.
بدأت مسيرتها بأدوار مسرحية في “خلي بالك من إميلي” ثم “الدخلة”، قبل أن تنضم إلى فرقة نجيب الريحاني عام 1918، ثم فرقة أمين عطا الله، وفرقة جورج أبيض عام 1922، حيث التقت بالفنان جورج أبيض، الذي تزوجته لاحقًا عام 1923، لتصبح جزءًا من واحد من أشهر الثنائيات الفنية في تاريخ المسرح المصري، حيث شكّلا معًا ثنائيًا مؤثرًا في تطوير الحركة المسرحية.
واصلت دولت أبيض العمل في فرق كبرى مثل فرقة يوسف وهبي، ثم انضمت إلى الفرقة القومية المصرية عند تأسيسها عام 1935 براتب شهري، قبل أن تقدم استقالتها بعد نحو تسع سنوات. وفي عام 1944 أسست مسرحًا خاصًا بها بالقرب من حدائق القبة، لكنه تعرض لاحقًا لحريق كبير ضمن أحداث القاهرة عام 1952.
في عام 1953 أعلنت إسلامها مع زوجها وابنتيها، متأثرة بسماع القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت، ثم كرست جزءًا من حياتها لحفظ القرآن وترجمته إلى الفرنسية وتوزيعه صدقة.
حصلت على العديد من التكريمات، منها جائزة النقاد وجائزة سينما النيل، وكرمها الرئيس جمال عبد الناصر، ثم الرئيس أنور السادات، تقديرًا لمسيرتها الفنية الطويلة. وفي 4 يناير 1978، رحلت عن عمر 82 عامًا، في شهر رمضان وهي صائمة، لتبقى واحدة من أبرز رائدات المسرح والسينما في مصر.





