
تواجه أسواق الأسمنت في الآونة الأخيرة حالة من الهدوء النسبي، وذلك بعد أن سجلت أسعارها مستويات قياسية لامست 5 آلاف جنيه للطن الواحد عند البيع للمستهلكين. يُتوقع أن تشهد الأسعار تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة القادمة، وذلك بناءً على عدة عوامل رئيسية تؤثر في العرض والطلب.
تشغيل الخطوط المتوقفة: دفعة قوية للسوق المحلي
يأتي التراجع المتوقع في أسعار الأسمنت نتيجة مباشرة للقرارات الحكومية الصارمة التي أصدرتها وزارة الصناعة. كان أبرز هذه القرارات منح مهلة شهر لشركات الأسمنت لإعادة تشغيل جميع خطوط الإنتاج المتوقفة داخل مصانعها. يهدف هذا الإجراء إلى تلبية احتياجات السوق المحلي، الذي يُعد أولوية قصوى في المرحلة الراهنة، وفقًا لبيان رسمي صادر عن الوزارة.
تضم مصر 23 مصنعًا للأسمنت، منها حوالي 9 خطوط إنتاج متوقفة تمامًا عن العمل منذ سنوات. يُعتبر هذا التوقف أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية بلغت حوالي 5 آلاف جنيه للطن للمستهلكين، وذلك بحسب أحمد الزيني، رئيس شعبة الأسمنت بغرفة القاهرة التجارية. من المتوقع أن يؤدي إعادة تشغيل هذه المصانع إلى زيادة المعروض من الأسمنت في السوق، وبالتالي انخفاض الأسعار.
أزمة تسعير الأسمنت: بين التصدير والسوق المحلي
ركزت المصانع خلال السنوات الأربع الماضية بشكل كبير على التصدير. حدث ذلك رغم أن أسعار البيع المحلية قد تجاوزت مستويات أسعار التصدير. يبلغ سعر تصدير طن الأسمنت حوالي 50 دولارًا (ما يعادل 2500 جنيه مصري). في المقابل، تصل الأسعار المحلية من أرض المصنع إلى 3800 جنيه في المتوسط (حوالي 77 دولارًا)، وذلك وفقًا للزيني.
لا يمكن للمصانع أن تصدر الأسمنت بخسارة، وإذا حدث ذلك، فهو أمر غير مقبول. يصبح الأمر أكثر خطورة إذا كان على حساب السوق المحلية. بالتالي، فإن المنطق يقتضي تحقيق التوازن بين الأسعار المحلية والتصديرية. هذا التوازن ضروري لتحقيق استقرار الأسواق وتجنب ارتفاع التكاليف على المستهلكين.
الأولوية للسوق المحلية: توجيهات حكومية واضحة
أكد بيان وزارة الصناعة على توجيهات الحكومة بضرورة تصدير الفائض من الأسمنت بعد تلبية الاحتياجات المحلية. هذا يعني أن تلبية احتياجات السوق الداخلي يجب أن تكون الأولوية القصوى.
خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، صدرت مصر حوالي 8.2 مليون طن من الأسمنت. هذه الكمية تفوق صادرات الفترة المماثلة من العام الماضي التي بلغت 7.1 مليون طن. كما أنها تتجاوز إجمالي صادرات عام 2021 بأكثر من 3 ملايين طن، حيث لم يتجاوز الإجمالي 5 ملايين طن حينها. هذه البيانات حصلت عليها “إيكونومي بلس” من شركات الإنتاج.
أنتجت المصانع في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري حوالي 25.7 مليون طن من الأسمنت. تمثل هذه الزيادة أكثر من 26% مقارنة بإنتاج العام الماضي، وفقًا للبيانات المتاحة.
تعطيل العمل بخفض الطاقات الإنتاجية: دعم لزيادة العرض
بهدف تحسين أوضاع السوق، قرر جهاز حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية تمديد تعطيل العمل بقرار خفض الطاقات الإنتاجية للمصانع لأجل غير مسمى. هذا ما صرح به أحمد شيرين، رئيس شعبة الأسمنت بغرفة مواد البناء باتحاد الصناعات المصرية.
أوضح شيرين أن المصانع تمتلك القدرة والطاقة الإنتاجية الكافية لتغطية كافة الاحتياجات المحلية والتصديرية. وأكد أن الأزمة الحقيقية تكمن في ضعف الطلب والاستهلاك مقارنة بالقدرات الإنتاجية الكبيرة للمصانع. وقد تسبب هذا الوضع في خسائر مادية فادحة للشركات، حتى قبل صدور قرار خفض الطاقات الإنتاجية في نهاية عام 2021.
تصل الطاقات الإنتاجية لمصانع الأسمنت في مصر إلى حوالي 85 مليون طن على الأقل. في المقابل، لا يتجاوز الاستهلاك السنوي في مصر حاجز الـ 50 مليون طن كحد أقصى، وذلك حسب شيرين. يتوقع الزيني أن تشهد الأسعار انخفاضًا تدريجيًا في الفترة القادمة. هذا التوقع مرهون بالتزام المصانع بتنفيذ قرارات وزارة الصناعة وزيادة الإنتاج للسوق المحلي أولاً.




