حكايات البشري.. سخرية مهذبة من قلب القاهرة القديمة

يُعدّ الشيخ عبد العزيز البشري (1886 – 1943) أحد أبرز أعلام الأدب العربي الحديث، وكاتبًا مصريًّا فذًّا لُقّب بـ «جاحظ العصر الحديث» لما امتاز به من أسلوب ساخر رشيق، وقدرة على تحليل المجتمع المصري وانتقاد عاداته بأسلوب يجمع بين الطرافة والعمق، والجد والهزل في آنٍ واحد.
ولد الشيخ عبد العزيز في حي البغالة بالقاهرة في أسرة عُرفت بالعلم والدين؛ فوالده هو الشيخ سليم البشري، شيخ الجامع الأزهر آنذاك. تربى الابن في بيئة أزهرية خالصة، وتلقّى تعليمه الأول في الكُتّاب حيث حفظ القرآن الكريم، ثم التحق بالأزهر الشريف نزولًا على رغبة والده، وهناك بدأ نبوغه الأدبي في الظهور.

النشأة والتعليم والبدايات العملية

تخرج الشيخ البشري في الأزهر عام 1911، ليبدأ حياته العملية سكرتيرًا بوزارة الأوقاف في 16 يناير 1911 حتى 23 سبتمبر 1912، ثم عُيّن محررًا فنيًّا في وزارة المعارف بترشيح من أحمد حشمت باشا، وأصبح في الوقت ذاته سكرتيرًا عامًا للجنة المصطلحات العربية التي ضمت نخبة من العلماء والأدباء أمثال حفني ناصف وأحمد زكي باشا.
ولم يلبث أن عُيّن محررًا عربيًّا في وزارة المعارف العمومية خلفًا للشيخ مصطفى لطفي المنفلوطي الذي انتقل إلى وزارة الحقانية.

لكن ميول الشيخ البشري لم تكن تميل إلى الأعمال الإدارية البحتة، فعندما انتقل أحمد حشمت باشا إلى وزارة الأوقاف، ترك البشري المعارف وفضّل الالتحاق بسلك القضاء الشرعي، حيث عمل قاضيًا بمحكمة الزقازيق الشرعية حتى عام 1922. وفي تلك الفترة كتب أجرأ مقالاته المنتقدة للنظام القضائي الشرعي وأساليبه التقليدية، داعيًا إلى إصلاحه بما يتناسب مع روح العصر.

وفي عام 1933 تولّى وظيفة مفتش بوزارة الحقانية، غير أن الأوضاع السياسية لم تترك له المقام طويلًا، إذ لم تمضِ شهور حتى تم نقله عضوًا عاملاً في مجلس حسبي أسيوط أثناء وزارة قسيم الأولى، ثم عاد بعدها إلى عمله في القضاء الشرعي.

من القضاء إلى الأدب والإدارة

مع تولي علي ماهر باشا وزارة المعارف، كُلّف البشري مع الأديب الكبير أحمد أمين بوضع كتاب في التربية الوطنية، ثم أصبح عضوًا في المكتب الفني بالوزارة. وعندما أُلغي المكتب في عهد علي الشمسي باشا، عُيّن سكرتيرًا برلمانيًّا له، ثم أصبح وكيلًا لإدارة المطبوعات إلى أن أُلغيت الوظيفة، فخرج إلى المعاش.

غير أن حب اللغة لم يفارقه؛ فعاد إلى العمل العام من خلال مجمع اللغة العربية بالقاهرة، حيث ظل عضوًا نشطًا فيه حتى وفاته في 24 مارس 1943.
وكان معروفًا بروحه المرحة، وسخريته اللاذعة من الأوضاع الاجتماعية والعادات المتكلسة التي رآها عائقًا أمام تقدّم المجتمع المصري.

 

أسلوبه الأدبي وفكره الاجتماعي

امتاز الشيخ عبد العزيز البشري بأسلوب يجمع بين بلاغة الجاحظ وسخرية بيرنارد شو، لكنه ظل عربيَّ الروح واللسان. كانت لغته جزلةً رصينة، ومعانيه عميقة في بساطتها، وموضوعاته مأخوذة من صميم الحياة المصرية اليومية.
كتب في كتبه ومقالاته عن الباعة الجائلين، والخطوبة والزواج، والشحاتين، وماسحي الأحذية، والاحتفالات الشعبية، وكان يقدّم من خلالها صورة بانورامية لمصر القديمة، ناقدًا بعين واعية وعقل ساخر.

ومن أبدع ما كتب نقده للعادات القديمة المرتبطة بالزواج، في كتابه «قطوف»، حيث صوّر مراسم الخطوبة بأسلوب ساخر مليء بالتفاصيل الدقيقة التي تُضحك وتبكي في آنٍ واحد. يقول في وصفه لاستقبال أهل العروس للزوار:

“ينظفون البيت جيدًا، ويُدخلون البنت الحمام ويهيئونها أحسن تهيئة، ويُلبسونها أجمل الثياب والحُلي، ثم يقدمون الشربات، وتظل العيون متطلعة نحو الباب تنتظر العروس لتدخل خجلة، تحمل فنجان القهوة وتقدمه للحاضرات واحدة تلو الأخرى، بينما العيون تراقبها من رأسها إلى قدميها…”

وبأسلوبه البسيط الممتع، انتقد نظام الزواج التقليدي الذي يحرم الفتاة من حقها في اختيار شريك حياتها، مؤكدًا أن لها عقلًا وقلبًا وإرادة يجب احترامها. كان هذا الفكر سابِقًا لعصره، ولا سيما أنه صدر من شيخ أزهري يرتدي العمامة والجبة، ما زاد من جرأة طرحه وتأثيره في المجتمع.

 

أديب الإصلاح الاجتماعي

لم يقتصر البشري على نقد الزواج، بل نادى أيضًا بحقوق العامل والفلاح، ودعا إلى حماية الأجير من استغلال أصحاب الأراضي والإقطاعيين الذين كانوا يجنون خيرات الأرض ويتركون الفلاحين فريسة للجوع والحرمان.
كان في أدبه صدى قوي للضمير الاجتماعي، فهو لم يكن ناقدًا ساخرًا فحسب، بل مصلحًا أدبيًّا يرى في قلمه وسيلة للتنوير والإصلاح.

وكانت مقالاته، سواء في كتابه «في المرآة» أو «المختار» أو في مجلة «السياسة الأسبوعية» التي كان يصدرها الدكتور محمد حسين هيكل، نموذجًا للأدب الرفيع الذي يمزج بين الفكرة العميقة والابتسامة الذكية.

 

أسلوبه في النقد والتصوير

امتلك البشري قدرة فريدة على تحليل الشخصيات بأسلوب كاريكاتوري أدبي، يرسمها كما يرسم الفنان ملامح وجه بالنكتة والتعبير الساخر.
من أظرف ما كتب وصفه للطبيب محجوب ثابت، إذ يقول عنه:

“جسمه عريض وعظمه كبير، لولا شوية رهولة، يميل إلى الطول، ولما يمشي تظنه أحدب وليس بأحدب، بل هو انحناء ظهره من كثرة حمل المجلدات لا من طول السنين…”

ويتابع وصفه حتى يختم بطرافة حين يسخر من نطقه حرف القاف بدل الألف فيقول:

“أما قاقاته فحدّث ولا حرج… مررت يومًا ببيته، فسمعت بنتين صغيرتين تلعبان، فقالت إحداهما: هذا بيت الدكتور الذي يقول يا بنت هاتي القِبرة بدل الإبرة!”

بهذا الأسلوب الساخر الجميل، كان البشري يقدّم صورة فنية للشخصيات التي يعرفها، لا يكتفي بمظهرها بل ينفذ إلى أعماقها النفسية والأخلاقية، فيرسمها في حركتها وحديثها ومزاحها.

 

الفكاهة وسحر اللغة

كان البشري معروفًا بخفة ظله وذكائه وسرعة بديهته. نكاته ليست مبتذلة، بل مزيج من البلاغة والذكاء، كما وصفه الباحث عادل أبو العباس، محقق كتابه “في المرأة”. ومن أشهر طرائفه ما يلي:

  1. رغيف العيش والطَّحينة: حين كان طالبًا بالأزهر ومعه خمسة مليمات فقط، اشترى رغيفًا وأسقطه عمدًا في طبق الطحينة عند البائع، ثم قال له: “معلش، هاكله كده”، فجمع بين الرغيف والغموس دون زيادة في الثمن.
  2. القاضي والفريق: جلس يومًا مع الفريق إبراهيم رفعت وزير الحربية، فقال له مازحًا: “أليس في الحديث قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة؟” فرد البشري بسرعة: “نعم، وفي القرآن: «فريق في الجنة وفريق في السعير».”
  3. وش الحمار: عندما رسم إخوته على جبته وجه حمار بالطباشير، نظر إليهم مبتسمًا وقال: “مين فيكم اللي مسح وشه في الجبة؟”
  4. نشّف عرقك يا إمام: كان صديقه الكاتب إمام العبد أسمر البشرة جدًّا، فإذا سال الحبر الأسود على الورق قال البشري ضاحكًا: “نشّف عرقك يا إمام!”

هذه النوادر تعكس روحًا مرحة لا تعرف الكدر، وسخرية لا تُجرّح أحدًا، بل تُضحك وتُصلح في آنٍ واحد.

 

تأثير الجاحظ عليه

تأثر البشري بعمق بأسلوب أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وأعلن ذلك صراحة، فقال:

“أقدر أن أؤكد لك أني متأثر بالجاحظ، وأفخر بصحبته، وأزداد له إعجابًا كلما قرأت له أكثر… أسلوبه تجاوز الحدود في الجودة والأناقة والرقة، وهو الأسلوب القوي السهل الذي يتمناه كل أديب.”

وقد انعكس هذا التأثر في أسلوبه القائم على السخرية الذكية والتحليل النفسي والاجتماعي العميق، تمامًا كما فعل الجاحظ في “البخلاء” و”البيان والتبيين”.
وكان يرى أن النقد الأدبي لا يكتمل إلا إذا جمع بين الفطنة والتذوق، وأن البلاغة ليست علمًا جامدًا، بل فنٌّ حيٌّ يتطور مع الأذواق.

 

رؤيته في الأدب والنقد

كان البشري يرى أن البلاغة والنقد العربي في عصره قد انحرفا عن جوهرهما، لأن القدماء انشغلوا بنقد الكلمة داخل الجملة أو البيت داخل القصيدة، بينما غاب عنهم النظر إلى العمل الأدبي ككلٍّ متكامل.
كما حذّر من فوضى النقد الحديث، ومن لهاث الكتّاب وراء الشهرة السريعة، قائلاً:

“الأدب لا يعنيه أن يُنصف أديب أو يُظلم آخر، إنما الذي يؤذيه هو ضياع المقاييس، حين تُوزَّع الألقاب جزافًا، ويُبتذل الثناء حتى يفقد معناه.”

كان صوته دعوة إلى الصدق الفني وإلى إعادة الاعتبار للأدب كرسالة لا كوسيلة شهرة.

 

وفاته ورثاؤه

توفي الشيخ عبد العزيز البشري في 24 مارس 1943 بعد حياة حافلة بالعطاء الفكري والفكاهي. نُعِي في الصحف والمجلات الكبرى، وكتب محمد توفيق رفعت، رئيس المجمع اللغوي، كلمة مؤثرة قال فيها:

“ليس غريبًا أن يكون الشيخ عبد العزيز البشري كما عرفناه، أديبًا كبيرًا، وكاتبًا قوي الأسلوب، برهانًا على قدرة العربية على التعبير عن كل ما في النفس من مشاعر وأفكار.”

ورثاه صديقه الشاعر محمد عبد الغني حسن بقصيدة مطلعها:

“جبل من الأدب العالي اختفى، وعندليب البلاغة طار، كان صوته يملأ الدنيا، وكلامه أحسن ما يُختار…”
كما قال خليل مطران في رثائه:
“خبر وفاتك يا عبد العزيز وجعني، وصدمتني ببعادك قبل أوانه… يا سيد البيان، لقد بلغت ذروة البلاغة حتى وقفت بلاغتي أمامك مبهورة.”

 

خفة ظل لا تُنسى

ظل البشري حتى أيامه الأخيرة يحتفظ بابتسامته الذكية وسرعته في البديهة.
ومن أشهر مواقفه الطريفة أنه ركب يومًا الترام، فجلس بجواره فلاح قدّم له رسالة وطلب أن يقرأها له. حاول الشيخ القراءة فلم يتمكن من فك الخط، فقال للفلاح: “والله يا أخي مش قادر أقراها.”
فقال الفلاح ساخرًا: “أومال العِمّة الكبيرة دي كلها على إيه؟”
فخلع الشيخ عمامته ووضعها على رأس الفلاح قائلًا بابتسامته المعهودة: “اتفضل اقراها أنت بقى!”

وكان من عادته أن يضع جبته وعمامته خلف باب منزله، فإذا طرق عليه أحد، ارتداها سريعًا، فإن كان الضيف محبوبًا قال له: “الحمد لله إني جيت من برّه حالًا”، وإن كان ثقيل الدم قال: “الحمد لله إنك جيت قبل ما أخرج.”

وزار يومًا صديقه الشاعر حافظ إبراهيم في حلوان، فرآه من بعيد جالسًا في حديقة منزله، فقال له ممازحًا عند لقائه: “العتب على النظر يا حافظ بك، لما شفتك من بعيد افتكرتك واحدة ست!”

 

إرث البشري الأدبي

ترك الشيخ عبد العزيز البشري تراثًا أدبيًّا ثريًّا، من أبرز كتبه:

  • في المرآة
  • المختار
  • قطوف
  • المرأة
    وكلها كتب تجمع بين المقالة الاجتماعية، والنقد الأدبي، والفكاهة الراقية.
    لقد استطاع أن يجعل من الضحك وسيلة للفهم، ومن السخرية طريقًا للإصلاح، فاستحق عن جدارة لقب «جاحظ العصر الحديث».

رحم الله الشيخ عبد العزيز البشري، الذي جمع بين وقار العمامة ومرح الكلمة، وبين عمق الفكر ورقة الدعابة، فكان نموذجًا للأديب الأزهري المستنير الذي حمل مشعل الأدب العربي في زمن التحول الكبير، وظل صوته يرنّ حتى اليوم شاهدًا على أن الفكاهة الراقية أصدق مرآة للمجتمع.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى