
في قلب القاهرة، وعلى بعد خطوات من نقابة الصحفيين، يقف محل «بايوكي» بشارع عبد الخالق ثروت كتحفةٍ خالدة عمرها أكثر من 125 عامًا، يلمع اسمه بين حجارة وسط البلد مثل جوهرة تروي تاريخ الأناقة الملكية المصرية، وأسرار الزعماء والمشاهير الذين مرّوا عبر بابه المذهب منذ مطلع القرن العشرين.
البدايات من البنادق إلى المجوهرات
بدأت الحكاية عام 1864، حين جاء الإيطالي ميشيل بايوكي إلى مصر كمُصنّع أسلحة صيد ومورّد للبنادق الخاصة بالخديوي إسماعيل. لكن القدر قاده إلى طريقٍ آخر أكثر بريقًا، حين لحق به شقيقه باولو بايوكي ليؤسس ورشة صغيرة لتصميم الساعات والنظارات والمجوهرات في شارع باب الحديد.
وبمرور السنوات، تحوّل الشغف بالإتقان إلى علامة مسجّلة في فن الصياغة، حتى تم افتتاح أول محل رسمي للعائلة عام 1900، جامعًا بين فنون العرض والتصميم الأوروبي والنَفَس الشرقي.
-
رئيس فنلندا يزور المتحف المصري الكبير وينبهر بالأهرامات22 أبريل، 2026
الخزنة التي دخلت موسوعة جينيس
لم يكن اسم بايوكي يرمز فقط إلى المجوهرات، بل إلى الحكايات التي حُفرت داخل «الخزنة العملاقة» التي صُنعت في إيطاليا وشُحنت إلى القاهرة عام 1900.
تلك الخزنة المعدنية الضخمة — التي دخلت موسوعة «جينيس» كأكبر خزنة لمحل مجوهرات في العالم — ما زالت تُفتح يوميًا لتُخرج دفاتر مذهّبة، تسجل بخط اليد أسماء عملاء مرّوا من الملك إلى الفنان، ومن السياسي إلى رجل الأعمال.
من توت عنخ آمون إلى كوكب الشرق
في عام 1922، ومع اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون، وجد الجد بايوكي في الحضارة المصرية مصدر إلهام خالدًا. فكانت أول مجموعة مجوهرات فرعونية مستوحاة من رموز الملوك، وأدخل تصميم “الخرطوشة الذهبية” التي أصبحت لاحقًا علامة مميزة للمحل.
من هنا، صار «بايوكي» قبلة للنخبة، وصمم تيجانًا ونياشين للأسرة المالكة، واستقبل شخصيات خالدة مثل الزعيم مصطفى كامل، السيدة أم كلثوم، الرئيس أنور السادات، زوجة شاه إيران، وملكة ألبانيا.
وكان دخول المحل حدثًا بروتوكوليًا بحد ذاته، لا يليق إلا بالملابس الرسمية وأرقى درجات الذوق الأرستقراطي.
ثورة في توثيق الألماس
في السبعينيات، أحدث بيترو بايوكي نقلة نوعية حين أدخل إلى السوق المصري شهادات توثيق الألماس من مدينة أنتويرب البلجيكية، ما منح المجوهرات المصرية اعترافًا عالميًا. ونال على ذلك أوسمة رفيعة من الحكومتين الإيطالية والبلجيكية تقديرًا لجهوده في تطوير الحرفة وتوثيقها علميًا وفنيًا.
125 عامًا من البريق والذاكرة
ورغم مرور الزمن وتقلباته، بقي «بايوكي» عنوانًا للبريق الذي لا يبهت.
في عام 2002، افتتح فرع جديد في أركاديا مول، ثم فرع الزمالك عام 2017، فيما ظلّ الفرع التاريخي في عبد الخالق ثروت هو القلب الذي ينبض بالماضي.
وفي مارس 2025، احتفلت العائلة بمرور 125 عامًا على افتتاح أول فروعها رسميًا، مستعيدة أكثر من ألف كتالوج تاريخي لتعيد إحياء تصميمات كلاسيكية أيقونية.
حتى اليوم، تُنفَّذ كل قطعة على يد صُنّاع مهرة من الجيل الخامس للعائلة، يقضون أكثر من 200 ساعة عمل يدوي في صياغة قطعة واحدة… كأنهم ينحتون في الذهب سيرة مصر بين الماضي والحاضر.
هكذا تبقى «خزنة بايوكي» أكثر من مجرد صندوق حديدي، إنها ذاكرة من ذهب تحفظ وجوه الزعماء، ووميض أم كلثوم، وبريق التاج الملكي الذي لم يصدأ رغم مرور الزمن.






