الأرمن في مصر.. حكاية جالية صنعت نهضة الطباعة وبصمتها لا تمحى

لم يكن وجود الأرمن في مصر مجرد إقامة عابرة، بل فصلًا طويلًا من الإسهام الثقافي والصناعي والفني، امتد من العهد الفاطمي حتى القرن العشرين، حيث لعب الأرمن دورًا مؤثرًا في بناء الدولة وصناعتها، وتركوا إرثًا فنيًا وصناعيًا لا تزال آثاره حاضرة حتى اليوم.

 

الأرمن في مصر منذ العهد الفاطمي

 

منذ العصر الفاطمي، كان للأرمن حضور قوي في المناصب السياسية والعسكرية والمعمارية، ومن أبرزهم بدر الدين الجمالي، القائد الأعلى للجيش الفاطمي، الذي يقال إنه من أصل أرمني واعتنق الإسلام، وقد ساهم الأرمن في تصميم بعض معالم القاهرة التاريخية مثل باب زويلة وباب الفتوح، ما يعكس خبرتهم في الهندسة والبناء.

 

محمد علي ودعم الجاليات الأرمنية

 

مع تولي محمد علي باشا الحكم، ازدهرت حياة الأقليات في مصر، وفتح الباب أمام مشاركة الأرمن في نهضة البلاد، تولى عدد من الشخصيات الأرمنية مناصب بارزة في الدولة، مثل بوغوص يوسفيان وزير التجارة والخارجية، ونوبار باشا أول رئيس وزراء لمصر، ويوسف حكاكيان من رواد التعليم، وبوغوص نوبار باشا الذي أسس الاتحاد الخيري الأرمني.

 

براعة الأرمن في الصناعات الدقيقة

 

امتاز الأرمن بدقة الحرفة والإتقان، فبرعوا في الصناعات الدقيقة مثل صياغة الحُلي وتركيب الماس وصناعة القوالب والآلات الموسيقية، وكان التعليم المهني خيارهم المفضل، ما جعلهم روادًا في مجالات تعتمد على المهارة اليدوية.

ومن أبرز الأسماء بيزنت ميناسيان الذي صنع عملة العشرة قروش في عهد الملك فاروق، وآرام نيرجفنيان الذي اشتهر بنقشه الدقيق على الأواني الملكية، وتلميذه فريج بلاديان الذي نفذ نقوشًا لهدايا رؤساء الدول.

 

الأرمن ورواد فن الزنكوجراف

 

في عالم الطباعة، فتح الأرمن بابًا جديدًا للإبداع عبر فن الزنكوجراف، وهو تقنية الحفر على المعادن لطباعة الصور، أسس كارابيت أراكليان أول ورشة زنكوجراف في مصر عام 1907، وتتابع بعدها تأسيس الورش الأرمنية مثل آرام بربريان، وفنديان، وطوروس، وفاردان تاكسيان.

اشتهر آرام بربريان بتعاونه مع مجلات كبرى مثل “روز اليوسف” و”المصور”، واحتكرت ورشته تنفيذ الكليشيهات لأكبر المطابع في مصر، لما عرف به من دقة ومهارة فنية نادرة.

 

مهارة الأرمن في معالجة الصور

 

كان من أبرز الفنانين الأرمن همبرسوم جبرائيل يالمنزيان الذي عمل في “الأهرام” لعقود، وتميز بقدرته على استخراج الكليشيهات من صور باهتة وإصلاحها بشكل مدهش. وفي مؤسسة “أخبار اليوم”، أشرف خاتشاتوريان على ورشة الزنكوجراف منذ تأسيسها عام 1945، قبل أن تؤمم في الستينيات، مما اضطره إلى مغادرة البلاد.

 

التراجع بعد التأميم

 

شهدت الستينيات موجة هجرة كبيرة للأرمن بعد قوانين التأميم والتمصير، وهو ما أثر سلبًا على مهنة الزنكوجراف التي ازدهرت بفضلهم، خاصة مع دخول الطباعة الأوفست والأجهزة الحديثة التي ألغت الحاجة إلى الحفر اليدوي الدقيق.

 

إرث ثقافي لا ينسى

 

لم تكن الطباعة الأرمنية وليدة وجودهم في مصر، بل تمتد جذورها إلى قرون سابقة في أرمينيا والشتات الأرمني حول العالم، ركز الأرمن في بداياتهم على طباعة الكتب الدينية للحفاظ على لغتهم وهويتهم، ثم نقلوا خبراتهم إلى مصر فأسهموا في تطوير مطابعها وصناعاتها الثقافية.

 

هكذا، كان الأرمن جزءًا أصيلًا من النسيج المصري، شاركوا في بنائه وازدهاره، وأثروا الحياة الثقافية والفنية والصناعية بعقولهم وأياديهم الماهرة. رحل كثير منهم، لكن بصمتهم لا تزال شاهدة على حقبة مضيئة من تاريخ مصر الحديث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى