
في قلب محافظة بني سويف، بدأ فؤاد راتب، المعروف لاحقًا بالخواجة بيجو، أولى خطواته في عالم التمثيل منذ المرحلة الابتدائية، حين أُسند إليه دور “الجزمجي” في مسرحية مدرسية. لم يكن الأمر مجرد أداء نص مكتوب، بل تحدٍ حقيقي لاكتساب مهارات الدور بصدق وإتقان.
كان فؤاد يراقب بعناية فائقة عم صقر الجزمجي، الذي كان يملك دكانًا صغيرًا بالقرب من منزلهم، ليتعلم منه تفاصيل المهنة، من طريقة تثبيت المسامير في الأحذية، إلى مهارة الخياطة وقطع الجلد بالسكين، وكل حركة دقيقة تحتاج إلى خفة ورشاقة. استمر فؤاد في مراقبته عدة أيام متتالية حتى انتبه عم صقر لمراقبته وقال له مازحًا: “طرقنا”.
ومع مرور الأيام، شعر فؤاد أنه اتقن الدور، حتى جاء يوم العرض الكبير. قرر ناظر المدرسة دعوة مراقب المنطقة ونظار المدارس وأعيان البلد وكبار الموظفين، حسب العرف المتبع في ذلك الوقت. ومن بين الحضور، جلس والد فؤاد في الصف الأول بصفته ناظر المدرسة الثانوية، ليشهد أداء ابنه.
ما إن انفتحت الستارة وبدأ فؤاد أداء دوره، حتى تمكن من كسب ضحك الحضور جميعًا، بمن فيهم والده. لكن المفاجأة جاءت بعد انتهاء العرض، حين انتظر فؤاد مواجهة والده، الذي غضب وقال له بحدة: “امشي يا كلب، روح على البيت علطول”. حاول فؤاد فهم السبب، فأجاب والده: “كده تعملني جزمجي.. أنا هوريك لما تروح”.
ركض فؤاد إلى البيت وهو حائر، ورغم تأخر والده لوجوده في عشاء مع أصدقائه، اضطر للانتظار حتى عودته. وما أن عاد الأب، أخبر فؤاد أن أحد زملائه كان قد همس في ودنه أثناء العرض قائلاً: “الولد عامل الدور حلو أوي.. تحس أنه ابن جزمجي فعلاً”. هنا شعر فؤاد بالرضا، لكنه لم يتوقع أن يتحول ذلك الإطراء إلى غضب جديد، إذ تلقى عقب ذلك عقابًا قويًا ومنع من التمثيل.
مرت السنوات، ومع صبره وإصراره على حلمه، جاء اليوم الذي اختاره فيه المخرج عباس كامل ليشارك في أول عمل سينمائي له بعنوان “عرايس المولد”. وللمفارقة، كان الدور نفسه الذي بدأ به مسيرته: دور الجزمجي. وقف فؤاد في موقع التصوير يبتسم ويتذكر أيام الطفولة، و”العقلة” التي تلقاها من والده بسبب تقليده الجزمجي، ليشعر أن كل تلك اللحظات كانت جزءًا من رحلة تعلمه وإصراره على النجاح.
لقد أثبت فؤاد راتب، أو كما أصبح يعرف لاحقًا بالخواجة بيجو، أن الإصرار والمثابرة قادران على تحويل الصعاب إلى فرص، وأن كل بداية صغيرة قد تحمل في طياتها بذور النجاح الكبير في عالم الفن.





