زكريا أحمد يواجه التحدي: من تلحين «أنشودة الفؤاد» إلى دور الشرير في أول فيلم غنائي مصري

في عام 1933، وجد الموسيقار الكبير زكريا أحمد نفسه أمام تجربة غير متوقعة، ستكشف عن جانب خفي من مسيرته الفنية، حين تلقّى زيارة مفاجئة من الفنان عبدالرحمن رشدي، الذي جاءه حاملاً عرضًا طموحًا للمشاركة في إنتاج أول فيلم غنائي مصري بعنوان «أنشودة الفؤاد»، بطولة مطربة العصر آنذاك نادرة، إحدى أبرز الأصوات النسائية في بدايات السينما الغنائية.

 

رحّب زكريا أحمد بالفكرة بحماسه المعهود، خاصة أن السينما كانت تخطو خطواتها الأولى نحو الأفلام الغنائية، وبناءً على هذا الترحيب، حدّد عبدالرحمن رشدي موعدًا جمعه بمنتج الفيلم إدمون نحاس. غير أن اللقاء لم يسر كما توقع الموسيقار الكبير؛ فبمجرد بدء الحديث، فاجأه المنتج بعرض مادي اعتبره زكريا أحمد مهينًا، إذ حدّد أجر تلحين الأغنية الواحدة بأربعة جنيهات فقط. اشتعل غضب زكريا أحمد، وشعر بأن الشركة لا تُقدّر قيمته الفنية ولا مكانته، خاصة أنه كان يدرك وزن اسمه وتأثيره في الساحة الموسيقية.

 

في تلك الأثناء، كان مخرج الفيلم الإيطالي ماريو فولبي يراقب المشهد عن كثب، وقد لفتت انفعالات زكريا أحمد نظره، فاستدعاه على انفراد، وطرح عليه فكرة غير متوقعة: أن يشارك في الفيلم ممثلًا، مجسّدًا شخصية الرجل المكروه. وقف زكريا أحمد للحظة مذهولًا، مترددًا بين الدهشة والرفض، وسرعان ما اعتذر بحجة عدم إتقانه لفن التمثيل. إلا أن عبدالرحمن رشدي، ومعه الفنان الكبير جورج أبيض، تدخلا لإقناعه، مؤكدين له أن التجربة لن تكلّفه شيئًا، وأن عليه أن يمنح نفسه فرصة.

 

وبعد إلحاح متواصل، وافق زكريا أحمد على المشاركة، على أن تكون مهمته مزدوجة: تلحين أغاني الفيلم، والظهور فيه كممثل. ومع بدء التصوير، دخل الاستوديو وهو يطلب العون من الجميع، طالبًا التوجيه والدعم، لكنه كان يسمع دائمًا عبارة واحدة: «خليك على طبيعتك». التزم بهذه النصيحة، وسارت الأمور على نحو جيد، حتى انتقل فريق العمل إلى فرنسا لتصوير المشاهد الداخلية في استوديو «جومون».

 

هناك بدأت الأزمة الحقيقية، حين حان وقت تسجيل الأغاني، واكتشف زكريا أحمد عدم وجود موسيقيين قادرين على أداء الأنغام الشرقية. وبعد بحث طويل، عثر على الشابين عبدالحليم علي وعبدالحميد عبدالرحمن، وكانا ضمن بعثة حكومية لدراسة الموسيقى، فاستعان بهما للعزف على الكمان. ومع ذلك، ظل الشعور بالضيق مسيطرًا عليه، خاصة أن التخت الموسيقي اقتصر على عوده وكمانين فقط.

 

وزادت الأمور تعقيدًا عندما جاءت نادرة لتسجيل الأغاني دون أن تلتزم بتعليماته الموسيقية، فانفعل زكريا أحمد بشدة، وكسر عوده بيده، ما أدى إلى إصابته ونقله إلى المستشفى. وبعد خروجه، عاد لتسجيل الأغاني وهو غير راضٍ عنها.

 

وجاءت ليلة العرض الأول للفيلم في سينما ديانا بالقاهرة، لتكون لحظة فاصلة. وقال زكريا أحمد في تصريح لمجلة «الكواكب»: «جلست أشاهد زكريا أحمد الممثل، وأستمتع إلى زكريا أحمد الملحن، وأعترف أنني شعرت بمرارة الفشل كملحن، لكنني دهشت من نجاحي كممثل لدور الشرير، وقد خرجت مشيعًا بسخط الجمهور، وكانت الشتائم التي صُبّت على رأسي شهادة صادقة على نجاحي في هذا الدور». هكذا تحوّلت التجربة القاسية إلى شهادة ميلاد غير متوقعة لزكريا أحمد الممثل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى