
في حوار نادر، روى الفنان الكبير محمد عبد الوهاب قصة بداياته الشجاعة والمليئة بالمخاطر، حين قرر أن يترك البيت ويلاحق شغفه بالغناء والمسرح، متحديًا القيود الأسرية الصارمة التي كادت تحاصره.
يبدأ عبد الوهاب حديثه بأنه نشأ في بيئة تقليدية صارمة، حيث لم يكن حرًا في ممارسة ميوله الفنية. لكن الفرصة جاءت حين وصل سيرك متنقل إلى حي الشعراني، ما أثار فضوله وأشعل حلمه بالانطلاق نحو عالم الفن. لم يتردد، وتقدّم إلى صاحب السيرك مقدّمًا نفسه، مقنعًا الرجل بقدراته الغنائية، دون أن يعرف الأخير أن الشاب يخطط للهروب من البيت في نفس اللحظة.
وقد صاغ عبد الوهاب خطته بدقة: التحاقه بالسيرك في نفس اليوم الذي يغادر فيه الحي إلى مدينة أخرى، لضمان عدم قدرة أخيه على إيقافه أو اعتراضه. وفعلاً، بدأ مسيرته في السيرك وانتقل معهم إلى دمنهور، حيث قدم أول عروضه الغنائية أمام الجمهور، مطمئنًا من رقابة البيت الصارمة. لكن الأوضاع لم تكن كما تصور؛ فقد كان الإقبال على السيرك ضعيفًا، ولم يحصل سوى على بضعة قروش قليلة مقابل مجهوده وموهبته، ما لم يثنه عن الاستمرار في السعي وراء حلمه.
ومع حلول الليل، واجه عبد الوهاب تحديًا جديدًا: أين سينام؟ عند سؤال صاحب السيرك، أشار إلى خيمة مهيأة لحظيرة البهائم، وقال له: “أنت عضمك طري وبدل ما تسقع في الخلا نام هنا مع البغلة”. رغم الرائحة الكريهة والظروف الصعبة، قبل الشاب التحدي، واضطر للنوم كل ليلة إلى جانب البهائم، متحملًا ذلك بصبر وإصرار، مدفوعًا برغبته الجامحة في الهروب من قيود البيت والانطلاق خلف ميوله الفنية.
يصف عبد الوهاب تلك التجربة بأنها كانت “أشد مما يمكن أن يحتمله إنسان”، لكنها كانت ضرورية ليصبح فيما بعد الفنان الذي أسعد الملايين بصوته وألحانه. فالشغف بالمسرح والموسيقى جعله يضحي براحة نفسه وطمأنينته الشخصية، ليصنع لنفسه طريقًا في عالم الفن، طريقًا بدأ من حظيرة بهائم السيرك وانتهى بأضواء المسارح الكبرى.
هكذا كانت البداية التي صقلت شخصية محمد عبد الوهاب، وجعلت منه رمزًا للفن المصري، حيث الحلم يتطلب أحيانًا التضحية، والشجاعة تتجسد في الانطلاق رغم الصعاب.






