
يروي هذا المقطع جانبًا لافتًا من حياة الفنان نجيب الريحاني، حيث انتقل من قسوة الفقر ومراراته إلى عالم الثراء والترف، في تحول لم يكن عاديًا في مسيرته. فقد عرف الحرمان في بداياته، وحين فتحت له الدنيا أبوابها، بدا وكأنه يسعى إلى تعويض ما فاته، بل إلى مجابهة الماضي بأسلوبه الخاص.
ورغم امتلاكه المال والعقارات، لم يتخلَّ عن نزعة الإنفاق المفرط، بل اندفع نحو حياة مترفة إلى حد لافت، فشرع في بناء فيلا لتكون ملاذه في سنوات التقدم في العمر، وفي الوقت ذاته كان يقيم في شقة فاخرة مفروشة، ويستأجر عوامة كبيرة، إلى جانب جناح خاص في أحد الفنادق. هذا التعدد في مظاهر الرفاهية أثار دهشة من حوله؛ فبينما رأى البعض في سلوكه تبذيرًا غير مبرر، اعتبره آخرون نوعًا من التمرد أو حتى الجنون. أما هو، فكان يختصر كل ذلك في عبارة واحدة: إنه “انتقام من الفقر”.
غير أن هذا الترف لم يخفِ جانبًا آخر أكثر قسوة، إذ بدأ المرض يتسلل إلى جسده في تلك الفترة، وكأن النجاح جاء مصحوبًا بثمن باهظ. ويبدو أن الريحاني كان يشعر بوطأة المرض قبل أن يؤكده الأطباء، إذ كان يتوقف أحيانًا عن العمل في ذروة نشاطه، ما كان يثير تساؤلات من حوله. وعندما كان يُتهم بالتكاسل أو بالاستغناء عن المال، كان يرد بثقة تكشف عن عمق علاقته بفنه، مؤكدًا أنه لا يسعى إلى المال بقدر ما يسعى إلى الحياة من خلال المسرح.
لقد كان المسرح بالنسبة إليه أكثر من مجرد مهنة؛ كان جوهر وجوده وسبب استمراره. فحتى في لحظات الضعف، ظل متمسكًا به، يرى فيه المعنى الحقيقي لحياته، سواء جلب له المال أم لم يجلب. هكذا تتجلى شخصية الريحاني، بين إنسان يسعى لتعويض ماضٍ قاسٍ، وفنان لا يرى في الحياة قيمة خارج خشبة المسرح.






