عبد القادر عودة: سيرة قاضٍ بين الدستور والصدام السياسي وصولًا إلى منصة الإعدام عام 1954

يُعدّ عبد القادر عودة واحدًا من أبرز القضاة والفقهاء الدستوريين في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، وقد لمع اسمه في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد أعقبت قيام ثورة يوليو 1952. عُرف عودة بثقافته القانونية الواسعة ورؤيته الفكرية التي سعت إلى إقامة نظام دستوري يستند إلى أصول الشريعة الإسلامية ومبادئها، مع تأكيده الدائم على صون الحريات العامة وترسيخ قواعد العدالة وسيادة القانون. وقد اختير عضوًا في لجنة وضع الدستور في عهد الرئيس محمد نجيب، فكان من أكثر أعضائها حضورًا وتأثيرًا، مدافعًا عن ضرورة قيام حياة نيابية حقيقية ونظام دستوري واضح المعالم.

 

وفي عام 1953 انتدبته الحكومة الليبية للمساهمة في إعداد الدستور الليبي، تقديرًا لمكانته العلمية وخبرته الدستورية، وهو ما يعكس حجم الثقة التي حظي بها خارج مصر أيضًا. غير أنّ نشاطه السياسي ومواقفه المعلنة أدخلاه في صدام مباشر مع مجلس قيادة الثورة، خاصة حين انحاز إلى الرئيس محمد نجيب في خلافه مع بقية أعضاء المجلس حول مسألة عودة الحياة البرلمانية وإرساء نظام ديمقراطي سليم.

 

بلغ التوتر ذروته عندما نظم عبد القادر عودة مظاهرة حاشدة شارك فيها عشرات الآلاف، مطالبةً بعودة الرئيس محمد نجيب إلى منصبه بعد أن أُجبر على الاستقالة بسبب تمسكه بإعادة المسار الديمقراطي. وقد نجحت تلك التحركات في إعادة نجيب مؤقتًا إلى رئاسة الجمهورية، إلا أن هذا الوضع لم يستمر طويلًا، إذ أُقصي نجيب في نوفمبر 1954 ووُضع تحت الإقامة الجبرية، لتبدأ مرحلة جديدة من التشدد السياسي.

 

ومن المواقف التي زادت من حدة الخلاف بين عودة والنظام القائم، نصيحته الصريحة للرئيس جمال عبد الناصر بضرورة التراجع عن قرار حل جماعة الإخوان المسلمين، محذرًا من أن القمع قد يدفع بعض الشباب إلى تصرفات فردية متطرفة خارج إطار القيادة والتنظيم. وقد نُقل أن الحوار بينهما اتسم بالحدة، وأن عودة أبدى دهشته من استعداد السلطة لتحمل كلفة بشرية وسياسية كبيرة في سبيل تثبيت قرارها، وهو ما عُدّ تحديًا مباشرًا لنهج الحكم آنذاك.

 

في أعقاب حادثة المنشية بالإسكندرية في أكتوبر 1954، والتي اتُّهم فيها أحد أعضاء جماعة الإخوان بمحاولة اغتيال الرئيس عبد الناصر، شُنّت حملة اعتقالات واسعة، وكان عبد القادر عودة من بين من أُحيلوا إلى المحاكمة بتهمة التآمر. صدر حكم الإعدام بحقه، وصودق عليه ليُنفذ في التاسع من ديسمبر 1954.

 

وتذكر بعض الروايات أن عودة، حين سيق إلى منصة الإعدام، بدا ثابتًا رابط الجأش، معلنًا استعداده للقاء ربه، ومؤكدًا أن الموت في سبيل المبدأ لا يغيّر من قناعته بعدالة موقفه. وقد تناقلت مصادر مختلفة عبارات نُسبت إليه في لحظاته الأخيرة، عبّر فيها عن إيمانه بما اعتبره شهادة في سبيل ما آمن به من مبادئ.

 

هكذا طُويت صفحة أحد أبرز القضاة والمفكرين في تلك المرحلة المضطربة من تاريخ مصر، وبقيت سيرته محل جدل بين مؤيد يرى فيه رمزًا للثبات على المبدأ، ومعارض يعدّه جزءًا من صراع سياسي معقد طبع تلك السنوات. وفي جميع الأحوال، تظل قصته شاهدًا على حدة الاستقطاب الذي عاشته مصر في خمسينيات القرن الماضي، وعلى الثمن الباهظ الذي دفعه كثيرون في خضم التحولات الكبرى. رحم الله جميع من رحلوا، وجعل التاريخ منصفًا في قراءة تلك الحقبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى