
شهد السوق العقاري المصري تحولات لافتة، ومعها تبرز فرص استثمارية فريدة تستدعي الدراسة والتحليل. في هذا السياق، قدم الخبير الاقتصادي هاني جنينة، رئيس قسم البحوث بشركة الأهلي فاروس لتداول الأوراق المالية، رؤية تحليلية معمقة حول شركة “بنيان”، مؤكدًا أنها “مقيمة بسعر أقل” مقارنة بمنافسيها في السوق. هذا التقييم، الذي ورد في ورقة بحثية حديثة، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول القيمة الحقيقية للشركة ومستقبلها الاستثماري.
تقييم “بنيان”: فجوة بين القيمة السوقية والقيمة الجوهرية
للوقوف على أبعاد هذا التقييم، أوضح جنينة أن القيمة الرأسمالية لشركة “بنيان” تبلغ 8.4 مليار جنيه. بإضافة صافي ديون والتزامات بقيمة 1.4 مليار جنيه، تصل القيمة السوقية الإجمالية للشركة إلى 9.8 مليار جنيه. هذا التقييم الأولي يكشف عن نقطة محورية.
تابع جنينة شارحًا: “هذا يعني ضمنيًا أن قيمة المتر المربع للمساحة القابلة للتأجير، والبالغة 104 آلاف متر مربع، تم تقديرها بنحو 94 ألف جنيه فقط”. هذا الرقم، في نظر العديد من الخبراء، يثير الدهشة بالنظر إلى ديناميكيات السوق العقاري الراهنة.
مقارنات سعرية: تحديد القيمة الحقيقية للمتر المربع
لتعزيز حجته، أشار جنينة إلى أن أسعار المتر المربع للمساحات المكتبية الرئيسية في شارع التسعين بالقاهرة الجديدة تتراوح بين 200 و250 ألف جنيه. في المقابل، تصل هذه الأسعار في القرية الذكية بغرب القاهرة إلى 150 ألف جنيه اعتبارًا من يوليو الجاري. هذه الفروقات السعرية، التي تضع قيمة متر “بنيان” في أدنى مستوياتها، تستدعي التفكير العميق.
بالإضافة إلى ذلك، وبحسب إدارة شركة “بنيان” نفسها، فإن مساحات المكاتب من الدرجة الأولى الواقعة على طول ممر 26 يوليو تُفرض عليها إيجارات شهرية أعلى، تتجاوز 20 دولارًا للمتر المربع. هذا يعني أن قيمتها البيعية أعلى بكثير من مساحات المكاتب في القرية الذكية، مما يعزز فكرة أن تقييم “بنيان” الحالي لا يعكس قيمتها الحقيقية.
ولتقريب الصورة أكثر، ضرب جنينة مثالًا بشركة الملتقى العربي، التي تمتلك 12,348 مترًا مربعًا من المساحات المكتبية الرئيسية بالقرية الذكية بغرب القاهرة. هذه المساحات مؤجرة لشركة Valeo الفرنسية مقابل 17.5 دولار للمتر المربع حتى يونيو 2030. الأهم من ذلك، اعتبارًا من أكتوبر 2024، قدّر المستشارون الماليون المستقلون المعتمدون من هيئة الرقابة المالية القيمة العادلة للمبنى بـ1.62 مليار جنيه، أي ما يعادل 131 ألف جنيه مصري للمتر المربع.
بناءً على هذه المقارنات، يرى جنينة أن قيمة 94 ألف جنيه لكل متر مربع، التي قُدرت بها مساحات “بنيان”، تعتبر منخفضة نسبيًا مقارنة بأسعار المساحات المكتبية في غرب وشرق القاهرة. كما أنها أقل من سعر المتر المربع للمساحات التجارية في غرب القاهرة. هذا التباين يشير إلى فرصة استثمارية واضحة للمستثمرين.
تأكيد الرؤية: طرح بنيان بأقل من سعرها الحقيقي
يتسق رأي الخبير الاقتصادي هاني جنينة تمامًا مع ما صرح به شامل أبو الفضل، العضو المنتدب لشركة “بنيان”، خلال مؤتمر عُقد قبل أسبوع. فقد أكد أبو الفضل أن “بنيان” تُطرح بأقل من سعرها في البورصة. وأشار إلى أن هذا الطرح يعتبر طرحًا أوليًا يستهدف جذب المستثمرين، مؤكدًا أنه تم تحديد القيمة العادلة لسهم “بنيان” عند 7.52 جنيه، بينما تم تحديد السعر النهائي للطرح عند 4.96 جنيه. هذا الفارق الكبير بين القيمة العادلة وسعر الطرح يعزز جاذبية الاستثمار في الشركة.
التحول الاستراتيجي لـ”بنيان”: نظرة على محفظة الأصول
من الجدير بالذكر أن مساهمة القطاع التجاري في إجمالي المساحة المؤجرة من “بنيان” تشهد انخفاضًا مطردًا. يعود ذلك إلى سببين رئيسيين. أولًا، التخلص التدريجي من قطع أراضٍ مختارة في مشروع “ووك أوف كايرو” على مدى السنوات القليلة الماضية. ثانيًا، والأكثر أهمية، التقليص الطبيعي لحصة “ووك أوف كايرو” في محفظة “بنيان” من 100% عند التأسيس إلى 36% حاليًا. هذا التحول يعكس استراتيجية الشركة نحو استثمارات عقارية ذات قيمة مضافة أكبر وأكثر استقرارًا نسبيًا، وفقًا لجنينة، مما يعزز من مرونة محفظتها وقدرتها على التكيف مع تغيرات السوق.
إقبال المستثمرين: مؤشرات على نجاح الطرح
انعكس السعر الجاذب لطرح “بنيان” بشكل واضح على معدلات تغطية الطرح. فقد بلغت تغطية الطرح الخاص، الذي تم إغلاقه يوم الأحد الماضي، نحو 7 مرات (6.88 مرة تحديدًا). بينما وصلت تغطية الطرح العام إلى 9.4 مرة حتى نهاية تعاملات أمس الاثنين. ومع استمرار الطرح العام حتى نهاية تعاملات غد الأربعاء الموافق 17 يوليو، فمن المتوقع أن تتخطى معدلات التغطية حاجز الـ10 مرات. هذا الإقبال الكبير من المستثمرين يعكس ثقتهم في مستقبل الشركة وإمكاناتها.
يعتمد إقبال المستثمرين على ضخ أموالهم في شركة مثل “بنيان” على أكثر من سبب. أولًا، أنها تمثل فرصة استثمارية في شركة تُطرح بأقل من قيمتها الفعلية. ثانيًا، تقدم “بنيان” بديلاً واقعيًا للاستثمار العقاري في مصر، بعيدًا عن الطريقة التقليدية التي تعتمد على شراء العقار وما يتبعه من صعوبات في التخارج. هذا بالإضافة إلى التعرض لتقلبات السوق والاعتماد على الخبرات الشخصية، بدلاً من الاستفادة من فريق من الخبراء المتخصصين في هذا المجال.





