
درعك النفسي في زمن الاستنزاف
في عالم يموج بالضغوط والمقارنات والمشاعر المتناقضة، لا شيء أثمن من سلامك الداخلي.
قد ننجح في العمل، ونحافظ على مظهر القوة، لكننا نعود أحيانًا إلى البيت مثقلين بتعب لا يرى بالعين… تعب من الناس الذين يسرقون طاقتنا دون أن نشعر، هؤلاء الذين يعرفون في علم النفس باسم “الأشخاص السامين”.
الإنسان السام ليس بالضرورة عدواً واضحًا، بل قد يكون صديقًا كثير الشكوى، أو زميلًا ينشر الإحباط، أو قريبًا يهوى التقليل من شأن الآخرين، الخطر الحقيقي لا يكمن في وجودهم فقط، بل في الاستسلام لتأثيرهم.
من هم “الناس السامون”؟
يعرف علماء النفس الشخصية السامة بأنها تلك التي تتغذى على طاقة غيرها، فتشعرك بالذنب أو الضعف أو القلق المستمر.
أنواعهم كثيرة:
الدرامي الذي يرى نفسه دائمًا ضحية.
الناقد الذي لا يرى فيك سوى الأخطاء.
المسيطر الذي يريد أن يتحكم في كل تفاصيل حياتك.
المتنافس السلبي الذي لا يحتمل أن تتفوق عليه.
وهناك أيضًا المستنزف العاطفي، الذي يجعل من مشاكله محور الحياة كلها، فيسرق وقتك ومزاجك دون أن تشعري.
أول خطوة: الوعي بالحدود
الحماية لا تبدأ من الآخرين، بل منك أنت.
ضعي لنفسك حدودًا واضحة للطاقة، أي لا تسمحي لأحد بأن يجعلك تشعرين بالذنب حين تقولين “لا”.
فكلمة “لا” ليست قسوة، بل صون للنفس.
تذكري أن الحدود ليست جدرانًا، بل بوابات تنظمين من يدخل منها ومن يبقى خارجها.
وهي خطوة ضرورية لكل امرأة عاملة أو أم أو صديقة تميل للعطاء المفرط حتى الإرهاق.
الطاقة مثل البطارية.. اشحنيها بحكمة
كما يحتاج هاتفك إلى شحن منتظم، تحتاجين أنت إلى استعادة طاقتك بانتظام.
حددي أنشطة تمنحك التوازن: القراءة، المشي في الهواء الطلق، التأمل، الصلاة، أو حتى الجلوس في صمت تام.
كل هذه الممارسات تساعدك على تنظيف هالتك النفسية من رواسب الأيام وكلمات الآخرين.
وتذكري قول الكاتبة الأمريكية برينيه براون:
“الشخص الذي يحمي طاقته لا يهرب من الناس، بل يختار من يستحق أن يشاركه نوره.”
لا تحاربي السامين.. تجاهليهم بذكاء
أخطر ما تفعله الشخصية السامة هو جذبك إلى دائرة رد الفعل.
كلما حاولتي الرد، ازداد تأثيرها عليكي.
لذا فإن أفضل سلاح هو التجاهل الواعي، أي أن تري وتفهمي، لكن دون أن تنفعلي أو تبرري أو تفسري.
فالتجاهل هنا ليس ضعفًا، بل قوة صامتة تحافظ على اتزانك الداخلي.
الإيجابية ليست سذاجة
في زمن يمجد “الطاقة الإيجابية”، يجب أن نفهم أن التفاؤل لا يعني التغاضي عن الأذى.
كوني طيبة، لكن بحكمة.
واختاري بيئتك الاجتماعية كما تختارين عطرك المفضل: ما يمنحك الراحة يبقى، وما يؤذيك يستبعد فورًا.
ولأن الطاقة مثل العدوى، فالمجال الذي تجلسين فيه يؤثر فيكي أكثر مما تظنين.
اختاري نفسك دائمًا
حماية الطاقة ليست أنانية، بل مسؤولية نفسية.
فحين تكونين متوازنة، تصبحين قادرة على العطاء دون أن تفقدي نفسك.
وحين تبتسمين من الداخل، يصبح العالم أكثر لطفًا.
احمي طاقتك بالحب، بالصمت، وبالانسحاب حين يلزم،
لأن السلام الذي تحمينه اليوم هو الوقود الذي سيمنحك القوة غدًا.






