
في أحد أيامه بالجزائر، التقى الكاتب فوميل لبيب بالمناضلة الجزائرية الشهيرة جميلة بوحيرد، الاسم الذي ارتبط في الوجدان العربي بكفاح الثورة الجزائرية ومعاناة السجون والتعذيب. كان اللقاء عابرًا في شكله، لكنه عميق في دلالاته، خصوصًا عندما دار الحديث حول الفيلم السينمائي الذي جسدت بطولته الفنانة ماجدة، وحمل اسم جميلة بوحيرد، وحقق شهرة واسعة داخل العالم العربي وخارجه.
سأل فوميل لبيب جميلة بوحيرد عن رأيها في الفيلم، متوقعًا إجابة تحمل الامتنان أو على الأقل الإعجاب، لكن المفاجأة الأولى جاءت صادمة: جميلة بوحيرد لم تشاهد الفيلم أصلًا. أما المفاجأة الثانية فكانت أكثر وقعًا حين قالت ببساطة وحسم: «الفيلم لم يعجبني».
بدت الإجابة متناقضة في ظاهرها، فكيف تحكم على عمل لم تشاهده؟ لكن جميلة بوحيرد سارعت إلى توضيح موقفها، قائلة إنها تثق في رأي إخوتها الذين شاهدوا الفيلم، وأخبروها أنه مليء بالمبالغات، وأنه يضخم شخصها على حساب حقيقة أكبر وأعمق. وأضافت أنها تعترض على فكرة الفيلم من حيث المبدأ، لا على صناعته أو نوايا القائمين عليه.
قالت جميلة بوحيرد بلهجة صادقة خالية من أي ادعاء: «في الجزائر خمسة ملايين جميلة بوحيرد. هناك خمسة ملايين امرأة ذقن العذاب مثلي، وقدمن التضحيات طواعية واختيارًا. فلماذا أحتكر كل هذا الصيت؟ ولماذا تعطونني ما لا أستحق؟». كانت كلماتها انعكاسًا لرؤية ثورية جماعية، ترفض الفردية وتؤمن بأن الكفاح كان عمل شعب بأكمله، لا بطولة شخص واحد.
حاول فوميل لبيب أن يشرح لها وجهة نظر صناع الفيلم، مؤكدًا أن اختيارها لم يكن بقصد التمييز أو الاحتكار، بل لأنها أصبحت رمزًا. قال لها: «أنت رمز لكل جزائرية، وهذا ما أردنا أن نراه في الفيلم. قصدنا أن نحكي قصة الجزائر للمشاهد من خلالك». وأشار إلى أن الفيلم لم يكن مجرد عمل فني، بل وثيقة سياسية وثقافية أثارت ردود فعل واسعة.
وأوضح أن الفيلم حقق انتصارًا كبيرًا في مهرجان كارلو فيفاري السينمائي، إلى درجة أن مندوبين من فرنسا احتجوا عليه بدعوى أنه يخدم أغراضًا سياسية. غير أن إدارة المهرجان تجاهلت الاعتراض الفرنسي، وسمحت بعرض الفيلم، ما دفع فرنسا إلى الانسحاب. ومن هذا المهرجان انطلق الفيلم إلى عشرات الدول، ووصل إلى أماكن بعيدة مثل سيبيريا، وقطع آلاف الأميال ليحكي للعالم قصة الثورة الجزائرية، بل وأثار مظاهرات في عدد من الدول العربية تضامنًا مع الجزائر.
وحين أشار فوميل لبيب إلى أن الفنانة ماجدة اعتمدت في أحداث الفيلم على شهادات جزائريين، وكانت مستشارتها زليخة، تساءلت جميلة بوحيرد بدهشة: «زليخة زوجة الطيار محي الدين؟ لقد رأيتها وقالت لي كل شيء». وهنا أكد لها فوميل أن الوقائع التاريخية لم تُختلق، بل سُردت كما وصلت من مصادر جزائرية.
ورغم ذلك، عادت جميلة بوحيرد لتؤكد موقفها الأخلاقي قائلة: «هناك عشرات قدمن تضحيات أكثر مما قدمت. أنا ما زلت أعيش، بينما بعضهن استشهدن. فمن الذي يستحق التمجيد؟». كان سؤالها موجعًا، يحمل في طياته فلسفة التضحية الحقيقية التي لا تبحث عن الأضواء.
وعندما سألها فوميل لبيب عن رأيها في المسرحية التي قُدمت عنها، ضحكت وقالت بدهشة صادقة: «وأيضًا مسرحية؟ من أنا حتى تفعلون كل هذا من أجلي؟». ثم ختمت حديثها بكلمات تعكس وعيها العميق: «على كل حال، شكرًا لكل من بذل جهدًا ليعرض كفاح الجزائر».
هكذا بدت جميلة بوحيرد، ليس فقط أيقونة ثورية، بل نموذجًا نادرًا للتواضع، ورفض تحويل النضال الجماعي إلى بطولة فردية، حتى لو كانت البطولة تحمل اسمها.





